لا يختلف اثنان على أنَّ معارك الكيان العبري الأخيرة تركت أثراً واضحاً على منهجه العسكري ومنطقه القتالي. من هنا ظهر العديد من الدراسات والتحليلات التي تناولت الأمر من شتى الجوانب، ذلك أنّ دولة الاحتلال تشكّل نوعاً خاصاً بين الدول. بني الكيان الصهيوني على أساس أنه جيشٌ لديه دولة. من هذا المنطلق، فإنّ «هزيمة» الجيش الصهيوني عام 2006 أحدثت صدمةً كبيرةً داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، فضلاً عن إعادة النظر في جميع الدعوات لإيجاد «عقيدة» عسكرية قتالية جديدة في مواجهة أعداءٍ باتوا «متمرسين» في التغلب على القديمة. ضمن هذا الإطار، يتناول كتاب «العقيدة الأمنية الإسرائيلية وحروب إسرائيل في العقد الأخير» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية ــ إشراف وتحرير أحمد خليفة، وإعداد رندة حيدر) هذا الجانب من خلال إطلالته على دراسات ومقالاتٍ لكتّاب صهاينة، وجنرالات عسكريين وباحثين كبار، وكتابٍ متخصصين في الشأن الأمني. هؤلاء يتحدثون بإسهاب حول كيفية تحوّل الفكرة الصهيونية القتالية المعتادة (تسمّى العقيدة القتالية اعتبارياً) بتأثير الأحداث «الجلل» التي مرت على الكيان.


ينقسم الكتاب إلى ست دراسات كبيرة، وأربع مقالات قصيرة. وتأتي هذه الدراسات/ المقالات محيطة بموضوع واحدٍ محدد هو «العقيدة القتالية/ الأمنية الصهيونية» من جوانب متعددة. إلا أنَّ هذه الدراسات - وفق ما تشير إليه مقدّمة الكتاب- لم تحدث تغييراً حقيقياً داخل العقيدة القتالية للجيش. كل ما أدته كان إضفاء مجموعة «سلوكيات» وأساليب «توحش» جديدة كعقيدة الضاحية (التدمير الشامل والكلي للحياة المدنية للأعداء)، والدفاعين السلبي والفعّال (في مقابل الصواريخ)؛ مع إبقاء النقاش مفتوحاً في انتظار «حربهم» المقبلة.
تأتي الدراسة الأولى «ضرورة إعادة صوغ عقيدة إسرائيل الأمنية» من تأليف أليكس مينتس (رئيس «معهد السياسة والإستراتيجيا» وعميد «كلية لاودر للدبلوماسية والاستراتيجيا») والعميد المتقاعد شاؤول يشاي (رئيس الأبحاث في «معهد السياسة والاستراتيجيا» كذلك)، وكلاهما ضليعان في المجال الأمني، خبرا عن قرب العقيدة القتالية للجيش العبري. أتت هذه الدراسة التي قدّمت في «منتدى هرتسليا لبلورة عقيدة الأمن القومي» (آذار/مارس 2014) لتشرح عقيدة الجيش العبري إبان نشأتها على أيام رئيس الوزراء الأوّل للكيان العبري بن غوريون، وكيف أنها بنيت على منطق «تفوق» الجيش العبري على ما عداه من جيوش المنطقة، وكيف أنَّه لم يعد ممكناً تطبيق هذه العقيدة/المنطق أو الحفاظ عليها. تحدث الباحثان الصهيونيان عن محاولتين جديتين لتطوير هذه العقيدة، لكنهما باءتا بالفشل نتيجة الإهمال أو عدم الموافقة عليهما. الملفت في هذه الدراسة نقطتان لم يكن الحديث عنهما في السابق أمراً مطروقاً: الحرب السيبيرية (أو الحرب المجازية المرتبطة بالإنترنت/ الحواسيب الشخصية واختراقها). أما الثانية فهي الحرب في «الساحة البحرية». يتناول الباحثان الموضوع من خلال التركيز على أهميته على ضوء «مكتشفات الغاز وتزود «حزب الله» بأسلحة يمكن أن تشكل تهديداً مباشراً لمنشآته (أي الكيان)». تأتي الدراسة الثانية «العقيدة الأمنية ومكانة الجيش في المجتمع الإسرائيلي» بقلم الكاتب وأستاذ التاريخ في «جامعة حيفا» المؤرخ يوآف جيلبير (مؤرخ شهير للجيش العبري فضلاً عن عدائه الشديد للمؤرخين الجدد كإيلان بابه مثلاً) التي قدمت في «منتدى هرتسليا» (2014) أيضاً. تكمن أهمية هذه الدراسة في فكرة هي الأكثر أهمية في كل ما حواه الكتاب. في حين أن الكيان العبري اعتمد في السابق على جيشٍ صغير (أو كما يسمّى «جيش الشعب») مكون من فرق صغيرة شديدة الاحتراف واحتياط كبير جاهز للتعبئة في أي لحظة؛ يصر جيلبير على الانتقال إلى مرحلة «الجيش الجرار» النظامي، الذي لا يتم فيه الاعتماد على الاحتياط، حيث «يصعب الاعتماد مع مرور الوقت على قوات الاحتياط التي انخفضت كفاءتها، جراء عوامل متعددة على مستوى الفرد وصعوداً حتى مستوى قائد الفرقة».


بات خطرها الأكبر «حزب الله» الذي «تحوّل قوة نارية كبيرة وهائلة»

تتناول الدراسة الثالثة «التحديات الاستراتيجية-الأمنية الراهنة لإسرائيل» لثلاثة من كبار الباحثين في «معهد دراسات الأمن القومي» وهم أودي ديكل، وشلومو بروم، ويورام شفايتزر جانباً مختلفاً من عقيدة القتال. بعد الحديث عن الميزان الاسترتيجي الحالي (برنامج إيران النووي كمصدر للقلق مثلاً)، يقترب البحث من فكرة «العمليات الجراحية العسكرية» و»الإشغال بعيد المدى» للخصوم؛ حيث يجب إبقاء «الخصوم» مشغولين تماماً بأمور كثيرة بعيداً عن الدولة العبرية. وكان لافتاً في الدراسة تناولها موضوع «العملية السياسية «الإسرائيلية - الفلسطينية» بعيداً عن حركة «حماس» (التي تناولتها في إطار وحدها: «تقييد حماس»).
في دراسة أعدها الجنرال في الاحتياط ورئيس «معهد الأمن القومي» الصهيوني عاموس يدلين تحت مسمى «حان وقت اتخاذ القرارات بشأن اتفاقات وخطط بديلة»، تظهر «العوامل الإيجابية» التي تبدأ بـ «إنهاك الجيش السوري عبر المعارك الداخلية، خسارة «حزب الله» لشرعيته في العالم العربي، تقارب مصالح واسع بين عدد كبير من الدول العربية والكيان العبري، اكتشاف غاز طبيعي في المياه الإقليمية الصهيونية، فضلاً عن عدم حدوث موجة إرهابية ضد دولة الاحتلال (إبان الأعوام القليلة الماضية)». سلبياً، يعيد يادلين معزوفة «البرنامج النووي الإيراني» والمسار «التفاوضي السياسي الإسرائيلي الفلسطيني» المعطل، مشيراً إلى أمرٍ شديد الأهمية هو «ضعف الحكومات المركزية»، إضافة إلى السياسات الأميركية في الشرق الأوسط التي يمكنها التغير بين الفينة والأخرى. تبرز فكرة استغلال ضعف «حماس» الحالي، وتحويلها شريكاً صامتاً في العملية السلمية في الدراسة، كما تحليله لمسألتي «سقوط الإسلام السياسي» (ضمن تجربة الإخوان المسلمين) مقابل صعود الحركات الأكثر تطرفاً، وكذلك كيف أن العداء تحوّل من ضد «اسرائيل إلى معها» في سنين قليلة. إذ يؤكد أنَّ «الفرص التي تتيحها –الأحداث الحالية- لإسرائيل لجهة التقارب مع دول العالم العربي تتفوق على المخاطر المتأتية عنها. باتت الفرصة سانحة أمامها-أي إسرائيل- لتعزيز تعاونها مع دول المحور السني».
في دراسة «الاستراتيجيا الإسرائيلية الجديدة في مواجهة برنامج إيران النووي» للباحث في «معهد دراسات الأمن القومي» شموئيل إيفن، يعترف الأخير بالضربات التي ألحقها الكيان العبري (حتى عام 2009 من خلال عمليات اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين والهجمات السيبرانية لتخريب أجهزة الطرد المركزية الخاصة بتخصيب اليورانيوم) بالبرنامج النووي الإيراني. إلا أنّها لم تفلح في أحسن الأحوال إلا في تأخيره، فإيران باتت في عام 2009 تمتلك القدرة على إنتاج قنبلتها النووية الخاصة. مع ذلك، يطرح الكاتب استراتيجيا جديدة تتناول طرحاً لاستمرار الجهود السابقة (الاغتيالات والتخريب)، والجهد الدبلوماسي الحثيث والفعال، وأخيراً «الخيار العسكري» مع ضربة سريعة وغير متوقعة لا «يتم توريط الولايات المتحدة فيها في حال عدم وجود بديل آخر». أما في دراسة «الدروس المستفادة من منظومة القبة الحديدية»، فيطرح يفتاح شابير (رئيس برنامج موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط في «معهد دراسات الأمن القومي») موضوع تهديد الصواريخ الفعلي للكيان العبري، مؤكداً قدرة «منظومة الدفاع» الحالية على «لجم» الهجمات المقبلة، وإن كانت حتى اللحظة تقع في مشكلات عدة أبرزها كلفتها العالية (فكل صاروخ يكلّف ما بين 40 و50 ألف دولار أميركي)، ومحدودية ما تستطيع ردعه، وعجزها عن التصدي للقذائف ذات المسار المستوي، فضلاً عن عجزها التام عن إسقاط قذائف الهاون والصواريخ قصيرة المدى (5-7 كم).
في المقالات، يظهر مقال «إدارة العمليات العسكرية في المواجهات المحدودة» لقائد سلاح الجو العبري السابق اللواء في الاحتياط دافيد عبري أهمية الاعتماد على أساليب قتالية مختلفة عن المعتاد في عالمٍ باتت المواجهات فيه مختلفة. ثلاثية الرد، والإنذار المبكر، والانتصار الحاسم؛ لم يعد لها مكان. الصراع بات هذه المرة مع خصومٍ «لا دولاتيين» (كـ «حزب الله» و«حماس») حيث يجب «التوحش» في التعامل معهم: «يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يستخدم قوته النارية بطريقة مركزة، مخلفاً أثراً سيكولوجياً قوياً في العدو». ويشرح مقال «المخاطر الأمنية التي تتهدد إسرائيل في عام 2015 تغيرت وتكمن الآن في التنظيمات اللادولتية» للرئيس السابق لـ «مجلس الأمن القومي» الصهيوني يعقوب عميدرور تراجع «قوة» الجيش السوري النظامي أمام ما يحدث في سوريا و»نهاية» الجيش العراقي؛ مؤكداً أن «السعودية ودول الخليج تتسلح بأفضل السلاح الغربي، ولاسيما الأميركي، لكن إسرائيل ليست ما يهمها، بل إيران».
بالتالي، فإن الخطر هو «حزب الله» الذي «يمتلك نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة تستطيع بضعة آلاف منها تغطية جميع أنحاء إسرائيل، وهذه قوة نارية كبيرة وهائلة، وهي أكبر على ما يبدو مما تملكه دول أوروبا معاً»، إلى جانب «حماس» التي «بقي لديها 3500 صاروخ من الحرب الماضية». وتظهر «ثقافة التوحش» المطلقة في مقالة اللواء في الاحتياط غيورا آيلاند الذي يشير إلى أنّه «لا يمكن لإسرائيل الانتصار على «حزب الله» إلا إذا كبدت لبنان ثمناً لا يحتمل» (كتب إثر عملية «حزب الله» في مزارع شبعا في 28-1-2015). ويؤكد أن «الخطأ الأساسي الذي ارتكبته إسرائيل في حرب لبنان الثانية إبقاء الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني والبنى التحتية للدولة خارج اللعبة»، مطالباً باعتماد «عقيدة الضاحية» وحرق «الأخضر واليابس». في الختام، يتناول رون بن يشاي (محرر الشؤون العبرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت») ضمن مقاله «كيف يمكن استغلال المفاوضات في القاهرة من أجل تحقيق هدوء طويل الأمد في غزة؟» فشل الكيان العبري في القضاء على «حماس» والمقاومة في غزة لاعتماده على فرضيات أثبتت خطأها المرة تلو المرة، حتى وصل الحديث إلى «توجيه ضربة قاسية لحماس» (هدف عملية الجرف الصامد 2014)، بدلاً من «القضاء على حماس» أو «الإطاحة بها» كما كان يقترح في السابق.