بينما تدخل عوالم رواية ما، تنجدك أحياناً سعة الأفق في معرفة حيثيات مكان أو زمان الرواية في الواقع، فتصبح على مقربة من النص، والغوص في عوالمه يكاد يكون بمثابة الوثب داخل نبع عذب، إلا إذا خذلك الكاتب الذي لم يقتل نفسه في نصه، فوجدت المكان كما تعرفه لا كما أرادته إحدى الشخصيات أن يكون، ليوهمك في لحظة معينة من صفحات الرواية أن مكان الشخصية هو المكان الذي تعرفه ذاته.

«عسل المرايا» (منشورات ضفاف) رواية الكاتب الفلسطيني نافذ أبو حسنة، تمارس لعبة المكان بمهارة العارف الضليع بجعل اللغة متمرسة في إعادة صياغة المدن، والمقصود هنا بيروت التي تمكن ناسجها الفلسطيني مجدداً بعد محمود درويش، من تقديم شاطئها، ومقاهي روشتها، وشارع الحمرا، ونهاراتها ولياليها برؤية الفلسطيني الخاصة لهذه المدينة. بذلك، ستكون ذاكرة ليست للنسيان، وانعكاساً جلياً لأحداثها السياسية المفصلية، كحرب تموز الذي انتصر فيها حزب الله على الجيش الإسرائيلي، وما طرأ بعدها في لبنان من تحولات لإفراغ النصر من محتواه، عبر مماحكات طائفية ساذجة من التيارات المتصارعة في لبنان.

يظهر العمل عبد الرحمن الصحافي والباحث الفلسطيني، الخارج من حزبه اليساري في الثمانينيات، بصفة الواثق من موقعه في السياسة والقضايا الكبرى، لكنه يحيا قلقاً وجودياً في الحياة جراء التحولات السياسية أيضاً.
الأحداث المتسارعة والشخصيات التي تظهر بكثافة في الصفحات الأولى من العمل، تمثل خطوة تحسب لبنية الرواية، بخاصة في الصفحات التالية. لم تكن هناك شخصية موجودة مجاناً، لذلك لم يخرج أي منها من يد الكاتب، لتبدأ المناورة وحدها في الحكاية التي تتناول مرحلة سقوط بغداد حتى عدوان تموز 2006.
سلام التي يتعرّف بها عبد الرحمن، من خلال صديقه المعارض العراقي ضرار سلمان الذي كانت تربطه علاقة عاطفية معها، تصبح لاحقاً محور حياة الأول، وتدور معها الحكاية ومن خلالها. تكمن الحبكة في ذروة السرد الروائي الذي طال أحياناً، لكن من دون الخروج عن حالة الهدوء الضجر في بعض المواضع، ليكون في صفحات أخرى هدوء يتوق إلى السفر نحو أبعد لحظات الانطلاق في اللغة المترفعة عن التكلف والعجرفة في تركيب الجمل ونحت الألفاظ، لتصبح «عسل المرايا» في آخر المطاف رواية مكتوبة بتقنية واعية، كالذي يكتب وهو يرى الواقع كما هو بجماله وقبحه.
عمل الكاتب على أكثر من مسار. الحبكة جاءت عبر خيط خفي من شخصيات قدِّمت مواقف في الحياة والسياسة، فضرار سلمان مثلاً ظهر في الصفحات الأولى وكان ممهداً لظهور سلام في السرد، وليقدم موقف البعض في تلك المرحلة ممن وافقوا على تغيير نظام صدام حسين، من على ظهر الدبابات الأميركية. في المقلب الفلسطيني، هناك الشبابي صديق عبد الرحمن التاريخي، ويظهر عبره تحول بعض اليساريين إلى واقع لا يشبه ما كانوا ينادون به.


انعكاس للأحداث السياسية المفصلية في المدينة والمنطقة

من خلاله تبدو الحالة الفلسطينية في غزة تحديداً إبان الانقسام، ليذهب أخيراً الشبابي المناضل السابق إلى محطة أخيرة في النرويج.
في المقلب ذاته، يستشهد أبو عمار، وترسم بشكل واضح المواقف منه بتوصيفه «أبو الوطنية الفلسطينية» رغم أن عبد الرحمن كان على خلاف تاريخي مع والده حول هذا القائد الذي كثيراً ما اختلف معه ولم يوافقه في سلوكه السياسي.
أما عن لبنان، فيكتفي الكاتب بشخصية سناء التي تجلى من خلالها التحول من شخصية غارقة في مراياها والعالم الخاص بها إلى شخصية «محجبة» بفعل التغيرات الطائفية السياسية بعد عدوان تموز، وما حصل في بيروت في أيار (مايو) 2008.
نص نافذ أبو حسنة تمكن من تجاوز عقبات عدة. لقد تمكن من ترميز الشخصيات، لتقدم مقولة في الواقع الراهن، قد لا يسعف الواقع بتقديمها. وما يحسب للنص أن تقطيعه من ناحية السرد والمشهدية، يبدو كأنه جاهز لتحويله إلى فيلم.
رواية «عسل المرايا» تُشعر بالاغتراب والانتماء في آن معاً، فالنص يحاول قول كل شيء، كأن كل شيء بات منتهياً، ليبدو العشق بين عبد الرحمن وسلام، قصة أخرى. ختام الرواية الموقعة بتاريخ 1/1/2013 عندما دعته سلام إلى الغداء في مقهى بحري، وأعلمته أنها راحلة من حياته، يذكّر فوراً بعبارة قالها الرواي في الصفحة 61 «غريب هذا التشابه بين المدن والنساء. تعطي النساء للمدن جانباً أساسياً من هويتها وشكلها».. هنا سلام.. هنا بيروت.