تتماهى الحياة مع السينما في شعر الجزائرية لميس سعيدي بنحو يستدعي الكثير من التأمل في مجموعة «إلى السينما» الصادرة أخيراً عن «منشورات الاختلاف» الجزائرية. تماهٍ وإن بدا أنه مستهلك من حيث التناول التعبيري، إلا أنّه يحمل قدراً هائلاً من التجديد النصي، ويظهر واضحاً من تبويب وعناوين القصائد التي ارتأت سعيدي أن تستخرجها من القاموس السينمائي المعتاد، والذي اشتغلت عليه فلسفياً بنحو أضفى على المتن روحاً تكاد تكون صوفية بكائية.

كتبت المجموعة وفق نظام الثنائية «السينما - الحياة»، بحيث ماهت لميس سعيدي بذكاء بين تفاصيل السينما ومكونات الحياة، تفصيلة بتفصيلة ومكونة بمكونة.
في تناولها لـ»الغاية» من «السينما- الحياة»، صاغت الشاعرة حوارية جميلة شكلت ما قد نعتبره تمهيداً للمجموعة ككل.

تتساءل لميس عن وجهة النائمين والحالمين والنادمين والعاشقين والمذنبين والتائبين والتعساء والواهمين والمؤمنين والمحاربين والخائفين، ليكون الجواب واحداً وواحداً فقط: السينما. هنا يقف القارئ عند قدرة النص على أن يقول ما لا تقوله الكلمات في ظاهرها. إنه حديث عن السينما ولكنه في الحقيقة كلام عن الحياة، عن البداية التي تبدو مشوقة دوماً، كثيرة الألوان. وعن النهاية التي مهما كانت، ليست إلا شعوراً مقيتاً عن الأسف. شعور بلا ألوان.
أحياناً تبدو الحياة كـ»فيلم صامت بالألوان». تبدو فيلما متميزاً، لكنه في الحقيقة مجرد فيلم بائس أصابه «خلل تقني قديم لم يتمكن أحد من إصلاحه». عادة ما يكون فيه الأفيش «قبر شاهد بتاريخ واحد»، تاريخ الميلاد أو الموت. في هذه الحياة، في مثل هذا الموت، تصف لميس «الأحياء-الممثلين» كأشخاص لا يقين لديهم، إلا يقين الوجود في كون لم يختر وجوده فيه ولكنه مجبر عليه، على الأقل يساوره الاعتقاد أن ثمة دوماً حيزاً ليقول ما يجب أن يقوله حين يتوقف «الحوار» أو حين يقطع الصمت حوار الممثلين «ليوشوش كما يشاء ما نقص من الحوار».
تستمر لميس عبر أكثر من مئة صفحة في مطابقاتها الجميلة، المفزعة والجريئة أيضاً، غير آبهة لتأويل محاكم التفتيش حين تكتب عن «السيناريو-القدر» بقلم المشكك في أي يقين. تقول: «كالعادة لن يأتي أحد/ لكنه أصر على استدعاء الجميع/ الاحياء/ الموتى/ المفقودين/ حتى التماثيل والصور القديمة / والفزاعات».
نص يعبر عن عبثية «النص-القدر». وصف صادق لرغبة المشيئة في إظهار السطوة، رغم أن لا أحد من المعنيين يعرف تلك الأبجدية المعقدة، لكن الإنسان كما تقول الشاعرة منحاز بفكره البريء البدائي الساذج إلى الاعتقاد أن لا قسوة ولا عبثية في القدر، فتراه كلما أعجزه فهم المشيئة، يلقي على نفسه لوم عدم فهمها ويتوقف عند باب «لو»: «لو أعاد ترتيبهم.


خطوة كبيرة جداً في مدونة الشعر الحداثي في الجزائر
لو حفظ استقاماتهم وانحناءاتهم بجميع حركاتهم بما في ذلك الساكنة سيتمكن من القراءة». لكنه سرعان ما يدرك عكس ذلك تماماً: «وحيداً خارج السطور/ اكتشف أنه مثلهم/ مجرد نقطة حبر مبهمة/ بالطريقة التقليدية ذاتها/ تتسع حتى تصبح مجموعة من المعاني المثيرة/ ثم تضيق كعلامة زائدة.. حرف منذ البداية في نقطة ماء/ وقعت على السيناريو/ لكي لا يقرؤه أحد».
يتعدى السؤال الجدلي عن جدوى الوجود لدى لميس سعيدي دائرة الشك إلى يقين الوجود العبثي، ومنه إلى إيمان واضح بالدور الذي تلعبه المشيئة في تكريس العبثية كمبدأ لأي حركة في الوجود، فمثلما ينتهي عمل «الكومبارس» إلى دور سرعان ما يلفه الصمت، وينتهي طموح «الدوبلير» عند أي «نقطة معلقة»، فحتى البطل، صاحب الدور الرئيسي ينتهي إلى مجرد انعكاس «يقف خلف المرآة يقلد من يقفون أمامها». «إلى السينما» مجموعة لا تعبر عن بداية تجربة لشاعرة شابة، بقدر ما هي خطوة كبيرة جداً في مدونة الشعر الحداثي في الجزائر. تمكنت لميس سعيدي من خلاله أن ترسو على شطآن جديدة، ربما شبيهة لغيرها في التضاريس ولكنها مختلفة كل الاختلاف. إنه نص برعت فيه في أكثر من محل، يكفي فقط ذلك التناجي الرائع بينها وبين الله أو من أحبت أن تسميه «المخرج» وفق نظام الثنائيات الذي سنته في هذه المجموعة: «أيها المخرج المحترف/ صاحب ملايين الأفلام الناجحة
التي لم يشاهدها أحد/ تلك التي لا يمل الممثلون/ من تكرار مشاهدها القديمة/ أعد قراءة السيناريو مرة أخرى/ في هذا الجزء من الفيلم/ تتطور الأحداث كثيراً/ تتغير لغة الحوار/ إلى لغة أجنبية/ لم تسمح لهم يوماً بتعلمها/ سيكولوجية المرحلة الجديدة/ تحتاج إلى الكثير من المكياج/ وبشرتهم لا تزال كما عرفتها أول مرة/ حساسة جداً/ أيها المخرج المحترف/ حان موعد مغادرة البلاتو/ للمرة الأولى/ سيرتجل الممثلون المشهد/ بحرفية عالية»