كنت أعيش وسط مجموعة من الأصدقاء الشعراء. أنا أُعطيت لقباً آنذاك من قبل هؤلاء، ومن قبل آخرين قليلين، وهو أنني ناقد للشعر بالنظر إلى عجزي عن كتابته. كنت ناقداً رديئاً فيما أحسب، ولم أكتب شيئاً يخصني. في صحيفة «السفير» كتبت عدداً من المقالات الحرة، أقصد تلك التي لا تقع في أي باب من أبواب الكتابة الأدبية أو الصحافية. هذه النصوص استهوت بعض الأصدقاء ومنهم آنذاك وضاح شرارة الذي شجعني على الكتابة. الشاعر حسن عبد الله حذّرني مرة من التأخر في الكتابة، إذ أن الاصدقاء، وهو منهم، كانوا قد قطعوا شوطاً في إصدار الكتب، أما أنا فكنت ما أزال أنتظر.


ذات ليلة، وفيما أن ذاهب إلى السرير، استعدتُ تحذير حسن عبد الله، وجلست بعد أن حضّرت كمية لا بأس بها من القهوة والسجائر، وبدأت بكتابة روايتي الأولى. كنت في الثانية والثلاثين ظاناً أني تأخرت قليلاً، ولم تكن تلك الكتابة بإلحاح من ظني بالتأخير فقط، كانت تلك البناية التي أسميتُها «بناية ماتيلد» ما تزال ساكنة فيّ حتى بعد 16 عاماً من انتقالنا منها أنا وأهلي إلى شقة في بناية أخرى. وللحقيقة، لا يزال ذاك السكن مستحوذاً عليّ حتى الآن. فكأنني طُردت منه في ذلك الزمن السابق، أو كأنه جامعٌ لطفولتي كلها، فلا أتذكر شيئاً منها إلا ومسرحه «بناية ماتيلد». غالباً ما أستعيدها في المنام، فأجد بيتنا ذاك في طابقها الخامس أكثر جمالاً مما كان ومحاطاً بحديقة واسعة، مع أنه طبعاً معلق في الفضاء. وفيما أنا أكتب فصول «بناية ماتيلد» كنت لا أفعل شيئاً إلا التذكّر. طبعاً أولئك الناس الكثيرون والمختلفون على نحوٍ لم نعد نجده في أيامنا هذه ولا في الأيام التي سبقت منذ عام 1975، كانت بينهم البنات الأكثر جمالاً مما لم يسبق لولد مثلي من منشأ فقير نسبياً. ان اقترب منهنّ إلى هذا الحد.
فوجئتُ بالنجاح الذي لاقته الرواية عند صدورها عام 1983، وكتبت عنها مقالات كثيرة، ولم يتوقف ذلك حتى بعد إصداري لرواية او اثنتين من بعدها، لدرجة أنني كنت أتذكر أحياناً طلب الجمهور من محمود درويش أن يعيد قراءة قصيدته «سجل أنا عربي». وهكذا كانت بناية ماتيلد ماثلة أمامي دوماً كعمل أولي ناجح، لكن كـ «عقبة» في الوقت ذاته للمضيّ في كتابة الرواية.
آنذاك قيل عنها إنها «رواية مكان»، وهذا ما تخلو منه الرواية العربية. وقيل عنها إنها «رواية تفاصيل»، وهذا أيضاً مما اعتبرته المقالات التي كتبت عنها، جديداً، وللحقيقة أنني لم أكن واعياً لهذه أو لتلك. ما فعلته في كتابه الرواية هو اتّباع ما كنت بدأته في كتابة النصوص في جريدة «السفير» حينذاك. وكنت أعتقد فيما أنا اكتبها أن شيئاً أساسياً ينقصني، وهو عدم قدرتي على أن أنخرط في بناء الرواية العادية والمعروف. كنت أرى أن هذه نقيصة، لذلك كنت متلهفاً كثيراً لمعرفة كيف ستُستقبل هذه الرواية. أذكر هنا أن الناشر «دار التنوير» تردد في نشرها بعد نصيحة من قارئها الذي قال له: هذه ليست رواية. محمد زنابيلي صاحب الدار قال لي: ها إنني أجازف يا حسن أنا وأنت.


بعد أشهر قليلة من نشر الرواية،
صدر في فرنسا كتاب عن «المكان في الرواية العربية» احتوى نصين من بناية ماتيلد، إلى جانب نصوص لتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ومحمود درويش، وكان هذا مفاجئاً ومفرحاً

الآن، صرت بعيداً عن «بناية ماتيلد». في أحيانٍ، أعود إلى تصفّحها فأجد أنني يجب أن أُعْمِل قلمي في كثير من سطورها. كما أنني طبعاً أتذكر إعجابي ببعض ما ورد فيها في وقت صدورها، خصوصاً حين وصفت الحنفية في الحمام الإفرنجي، كيف أنها صُنعت متعددة الحلقات لتشبه شيئاً في أعمدة القلاع القديمة. ظللتُ لسنوات معجباً بهذا التشبيه ولكنني انتبهت إلى أن قراء الرواية ذهبوا إلى الإعجاب بأشياء أخرى فيها لم أكن حاسباً لها حساباً. وهذا سوء تقدير وعدم وضوح ما نكتب في أذهاننا، وما زال مستمراً في كتب لاحقة، حيث أنني أخطئ دائماً في تحديد ما قد يقف عنده القراء، وما يهملونه. وقد صادف أن وُجِهْتُ بعدد لا بأس به ممن استنكروا، ليس «بناية ماتيلد» فقط، بل النصوص التي كنت نشرتها في جريدة «السفير». أذكر انني كتبت نصاً أشبه بقصة قصيرة عنوانه «النساء الصغيرات»، يدور حول ثلاث أخوات تخطين قليلاً عمر الصبا، ورحتُ أصف عيشهن في بيتهن الذي لم أدخل إليه أبداً. كان هذا النص مليئاً بالتفاصيل. وأذكر أن أحد المثقفين أوقفني وراح يستنكر تماماً هذا «اللا معنى». بحسبه آنذاك، وبحسب الكثير من المثقفين والكتاب، لابد أن يكون للكتابة غرض أو هدف. كانت «بناية ماتيلد كتابة» دخيلة على قواعد الكتابة ومعناها عموماً. لكن دائماً تجد قلة من القراء ومن الأصدقاء والمثقفين يعيدون لك ذلك الذي لم يصل إلى الآخرين. أتذكر مما كتب عن الرواية ذلك النص الطويل الذي كتبه وضاح شرارة عنها، ونُشر لاحقاً في كتابه «المدينة الموقوفة». وأذكر أنه بعد أشهر قليلة من نشر الرواية، صدر في فرنسا كتاب عن «المكان في الرواية العربية» احتوى نصين من بناية ماتيلد، إلى جانب نصوص لتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ومحمود درويش، وكان هذا مفاجئاً ومفرحاً.
التصق اسمي بروايتي الأولى، ولكن ليست إلا جانباً من تكويني ونظرتي إلى ما أرى وإلى ما عشت، وهي نظرة مستمرة فيّ حتى اليوم. «بناية ماتيلد» انبثاق منها، وهي مستمرة بدون هذا الكتاب الذي بات كأنه شعارها أو عنوانها. أستطيع أن أضع هذا الكتاب في سنة صدوره وأُقفل عليه. وأقول دوماً أني ما زلت متعلقاً بالبناية نفسها، وليس بالكتاب الذي أصدرتُه عنها. وحين تبدأ البحث عن موضوع جديد لك تنتقل به من هذا المكان إلى مكان آخر، وربما الى زمن آخر، تجد أنك فتحت باباً جديداً في نفسك، ولن تُفلح إن أبقيت الباب الأول مفتوحاً أو مشقوقاً.
في رواياتي التالية، لا أجد أي صلة مع روايتي الأولى، لا في لحظات ما كنت أكتب، ولا في تذكر جمل أو أساليب في «بناية ماتيلد». كأنْ ينبغي أن تذهب إلى ما تكتبه بكلّيتك. أن تصير فيه تماماً. وهذا ما يعزلك عن ذاكرتك الأدبية أصلاً. فلا نعود تستلهم كتاباً كباراً قرأتهم، كما لا تعود تستلهم نفسك. لقد ازددتُ بعداً، كتاباً بعد كتاب، عن «بناية ماتيلد»، فهي كُتبت وأنا في عمر وزمن مختلف. أحس أحياناً أنها كتابٌ أحدٍ سواي، ومع ذلك أنا صاحبه. عندما تكتب لا تكون مدركاً لنفسك، ولا لمكونات الكتاب، ولستَ ناقدَ نفسك. لذلك أسأل نفسي أحياناً: لماذا تُحبُّ «بناية ماتيلد»؟. أقول مراتٍ: لأن فيه ضوءاً وألواناً أكثر من كتبي الأخرى. أظن مثلاً أن روايتي «سنة الأتوماتيك» كتابٌ رمادي مقارنة بها. في أحيان أخرى، أقول لأن «بناية ماتيلد» مكتوبة برغبات طفل غير مهتم أبداً بالحكمة. الشيء غير الجيد، أنك لكي تفهم عملك تقوم بتجزئته فتتحدث عن اللغة أو الشخصيات أو الأفكار. بمجرد أن تفعل ذلك يخرج الكتاب من وحدته. ربما يستطيع ناقدٌ أن يفعل ذلك بطريقة أفضل.
أنا أعجب كثيراً من كاتب مثل نجيب محفوظ، كيف أنه بقي في عالمه الواحد، باستثناء روايات التاريخية الأولى طبعاً، رغم سنوات كتابته التي زادت عن نصف قرن. أنا حين أتذكر سنوات كتابتي، وهي زادت عن الثلاثين، أرى أنني أنا نفسي لم أعد ما كنتُه كشخص وليس فقط ككاتب. لذلك أجدني كما في «نقّل فؤادك» آخر رواياتي، كأنني أبدأ مما كان فاتني أن أستدركه في جميع المراحل التي سبقت.
قلتُ إن عيشي طفلاً في «بناية ماتيلد» أبقى لي من كتابي عنها، ولكني في مرات قليلة نادرة أعود إلى تصفح الكتاب، ناقداً وليس راغباً. وما زالت كلما رأيت عمتي التي أقامت سنوات كثيرة بعدنا في تلك البناية، أسألها: يا عمتي ماذا حدث لسامية ولأختها عايدة؟ هل تزوجتا؟ وماذا عن أليس الأرمنية أتعرفين عنها شيئاً؟ ودائماً أستعيدهنّ وهنّ في أعمارهن تلك، كما كنَّ موصوفات في الرواية. عمتي تقول إن سكان البناية اختفوا جميعاً، لم تعد تعرف أين ذهبوا، وهذا طبعاً يؤدي إلى مرارةٍ ما لا تعوّضها إعادة قراءتهنّ في الرواية.