قبل عام 1994، تاريخ توقيع شركة «سوكلين» لعقدها مع مجلس الانماء والاعمار، كان لبلدية جونية 12 شاحنة لنقل النفايات. عملت سنوات طويلة في جمع نفايات أبناء «العاصية» ورميها في مكب برج حمود. لم تصمد المنطقة طويلا أمام السعي إلى تلزيم جمع النفايات لـ«سوكلين»، وكان رئيس اتحاد بلديات كسروان الحالي نهاد نوفل أحد رؤساء الحربة في ذلك.


جونية وسائر قرى القضاء، ليست اليوم بمنأى عن أزمة النفايات التي لامست مُعظم المناطق اللبنانية. المشهد هو نفسه يتكرر ساحلا، وسطا وجردا. لم يكن ينقص أهالي القضاء ما يُعانونه من مشاكل يومية، حتى أتتهم أزمة «الزبالة» التي لا يبدو أن لها حلولا تلوح في الأفق. لم ينتفض الكسروانيون كما فعل أهالي اقليم الخروب، مثلاً. اتحاد البلديات تنصل من مسؤولياته. أصدر أخيراً مُذكرة تفيد بأن «كل واحد يدبرّ حالو». أما رؤساء البلديات، فسحبوا أيديهم من الموضوع على قاعدة أن أحدا لا يقبل أن تُنقل نفايات بلدة أخرى الى أرضه. مُقابل ذلك، قُدمت مبادرات فردية من شأنها أن تُمثّل حلاّ لهذه المأساة التي تخنق السكان، الا أن أياً من المسؤولين لم يتحمس لها «لأن همهم البحث عن مصالحهم لا عن حلّ للأزمة»، كما يقول مصدر مُتابع للملف.


نفْضُ رؤساء البلديات أيديهم من المشكلة يبدو هينا مقارنة بلامبالاة النواب وخصومهم

وفي التفاصيل أن شركة «سيدار انترناشينول» لصاحبها المُهندس زياد أبي شاكر «الذي يعمل في الجنوب منذ عام 1999 من خلال انشاء محطات لفرز النفايات»، عرض القيام بأمر مُشابه في كسروان «مُقابل مردود ماديّ للبلدية التي تقبل استقبال المشروع في أرضها». المشروع يقوم على انشاء معمل ثابت بامكانه معالجة حتى حدود الـ100 طن من النفايات. في المصنع تُفرز النفايات ومن بعدها تُدخل الى براميل التخمير. النفايات غير العضوية توضع بعد فرزها في معامل مُخصصة لها. أما النفايات العضوية، فتتحول الى سماد «أثبتت مخابر الجامعة الأميركية في بيروت مطابقتها لمعايير الزراعة العضوية». بيد أن أبي شاكر اصطدم بـ«اتحاد البلديات الذي لم يتحمس للمشروع ولم يولِه أي أهمية»، اضافة الى أن البلديات «تخوفت من ردّ فعل الأهالي الذين يعيشون هاجس نقل النفايات الى أرضهم، علما أن التجارب في الجنوب تؤكد أن لا ضرر من ذلك». الحلّ الذي يُقدمه أبي شاكر يُعد الأسرع «اذ بالامكان بدء العمل به بعد شهرين من توقيع العقود». القصة ليست مُعقدة، ولكن الناس لا يصدقون عدم وجود خطر ناتج من المشروع». أبي شاكر لم يكتفي بذلك، «بل جال أيضاً على رؤساء البلديات الكسروانية، طارحاً عليهم حلولا مؤقتة تحاول الحدّ من انعكاسات الأزمة. البعض تجاوب والبعض لم يفعل، القصة بحاجة أيضا الى وعي وثقافة».
أمام تعنت اتحاد البلديات والسلطات المحليّة، «بقيت كسروان أمام حلينّ. الأول هو أن تبقى سوكلين تجمع النفايات لكون عقدها لا يزال ساري المفعول. والحل الثاني هو الطرح الذي تقدم به الصناعي نعمة افرام «الذي يرمي الى تحول النفايات إلى وقود لإنتاج الكهرباء».
يقول أحد رؤساء البلديات، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن حل افرام « لا يبدو أنه سيُطبق لأنه بحاجة الى أشهر قبل بدء العمل به».
المُشكلة في كسروان أن رؤساء البلديات يُمارسون لعبة «الكرّ والفرّ». يُقدّمون الحلول ثم لا يلبثون أن يتراجعوا عنها، اما بسبب ضغوط شعبية أو سياسية كما حصل في بلدية المعيصرة مع رئيسها زهير نزيه. فبحسب المصادر، «منذ ستة أشهر، طرح نزيه تقديم ارض في نطاق بلدته الا أنه تراجع بعد ضغوط من رئيس مجلس النواب نبيه بري». رئيس بلدية يحشوش كارل زوين اعترض «على اقامة مكب على مقربة من نهر ابراهيم الملوث أصلا». أما رئيس بلدية رعشين جرجورة عقيقي، فقد «تطوع خلال الاجتماع العمومي الذي عقده اتحاد البلديات»، مؤكدا أن بلديته «تملك أرضا كبيرة ولن ينزعج أحد اذا ما استُعملت مكباً للنفايات. فوجئنا بعد فترة حين أنكر ما تفوه به». في جرود كسروان كان الاعتراض على أن نقل النفايات الى مشاعها سيتسبب في تلويث المياه الجوفية. يقول رئيس البلدية أن «الاغراءات المادية وصلت الى حدّ الـ180 ألف دولار رغم ذلك لم تقبل أي بلدية نقل النفايات اليها».
منذ يومين، برزت مبادرة أخرى بدأ التداول بها وتقوم على أساس توفير معمل فرز متحرك يتنقل بين القرى الكسروانية دون تحديد ماذا سيحصل ببقايا النفايات.
نفْضُ رؤساء المجالس البلدية أيديهم من مُشكلة هم جزء منها، يبدو هينا مقارنة بلامبالاة النواب فريد الخازن ونعمة الله أبي نصر وجيلبرت زوين ويوسف الخليل، وخصومهم النواب السابقين.