حين تغيب الدولة، يكبر هامش البلديات في إبراز أهمية دورها الإنمائي والخدماتي. وفي أزمة النفايات، يبدو التحدي مضاعفاً بالنسبة إلى البلديات بسبب معاناتها أصلاً من سطوة الدولة ممثلة بشركة سوكلين على جزء من أموالها. لذلك، استغلت بعض بلديات المتن الشمالي الظرف الراهن لتبدأ على عجل فرز نفاياتها بنفسها وبتكاليف مخفضة كثيراً مقارنة بما كانت تجبر على دفعه لسوكلين.


ففي رومية مثلاً، استطاع رئيس البلدية لويس أبو حبيب معالجة نفايات بلدته بربع هذه الكلفة: «كانت سوكلين تتقاضى نحو 350 ألف دولار سنوياً، في حين سأتمكن وفق دراساتنا من تأمين حلّ لا تتعدى كلفته ثمانين ألف دولار»! الخطوة الأولى كانت بإزالة مستوعبات سوكلين من الشوارع وحثّ الناس على تقسيم النفايات عضوية وغير عضوية، يقول أبو حبيب لـ»الأخبار»، على أن يعاقب ببطاقة حمراء كل من لا يلتزم بالأمر، وصولاً الى الامتناع عن جمع نفاياته. أما الخطوة الثانية فتمثلت بنقل النفايات العضوية الى «أرض في الهواء الطلق ومعالجتها عبر تقنية «التسبيخ»، أي تحويلها الى مواد لتحسين التربة». تستفيد رومية من خبرات إحدى المؤسسات البيئية لإنجاح مشروعها، علماً بأنه يتم بيع النفايات غير العضوية الى التجار المهتمين بشرائها.
نجاح تجربة رومية شجع بلدية بعبدات على اللحاق بها، فيما كان رئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة قد بدأ منذ نحو سبعة أشهر عملية فرز النفايات في المنازل ثم بيعها وإعطاء مردودها لأصحابها. هو نفسه ابتكر أخيراً حلّاً لتصريف النفايات غير القابلة للفرز عبر تكديسها في قطعة أرض تبلغ مساحتها 10 آلاف متر مربع ومعالجتها بمعايير أوروبية. غير أن بعض «المجتمع المدني» وقف في وجه هذا الحلّ، فتعطّل مؤقتاً لعدم رغبة الشختورة في «افتعال المشكلات بين الأهالي». وذلك رغم تأكيد المقربين منه أنه «سيبدأ بتطبيقه في القريب العاجل، بعد أن يأخذ موافقة وزارتي البيئة والصحة ويثبت مراعاته لكل الظروف الصحية، ما دام يتسلح بموافقة المجلس البلدي».
على المقلب الآخر، تبرز الفضائح، حيث تكتفي بعض البلديات كالزلقا وبكفيا وقرنة شهوان بتشجيع سكانها عبر بعض البيانات على فرز النفايات، من دون أن تجد حلّاً للنفايات غير العضوية. بلدية الزلقا تعمد الى رمي النفايات في عقار بحري قرب معمل للسكر، بينما لم يُعرف كيفية معالجة بلديتي بكفيا والقرنة لهذه النفايات. وفيما تعتبر عملية الفرز بمثابة إنجاز كبير وخطوة على سكة «عصرنة» النفايات والحفاظ على البيئة، تصرّ بعض البلديات على معالجة أوساخها بالطرق التقليدية التي تعيد مشاهد الحرب الأهلية الى الأذهان. وما على الراغب في التفرّج على إبداعات «الريّاس» سوى التوجه الى جبل المونتيفردي في بيت مري حيث تفترش النفايات المساحات الخضراء الجميلة، أو الى ضبيه التي غرقت في الضباب يوم الخميس الماضي، ليس لأنها لندن بالطبع، بل لأن نفاياتها كانت تُحرق على كورنيش المارينا البحري. فعوض أن يكون هذا الكورنيش متنفّساً لأهالي المنطقة، بات فسحة خاصة للتلوث تسرح فيها زفاتة أحد المقاولين وكسارته التي تحول جزءاً منها إلى مكبّ لنفايات ضبيه الى جانب المكب الآخر المستحدث في أحد عقارات البلدية البحرية حيث كان يفترض أن تنشأ حديقة للأطفال. وقد انتقلت عدوى رمي النفايات قرب البحر تمهيداً لردمه أكثر ربما إلى إنطلياس أيضاً، التي وجدت في الجزء الآخر من البلدة أرضاً مجاورة لنبع مياه الفوار تكدّس عليها نفاياتها وتحرقها. أما بصاليم، فكاد يفرط عقد مجلسها البلدي جرّاء محاولتها رمي النفايات بين المنازل، ثم في مطمر قريب من البيوت السكينة. وقد بدأ في المتن الشمالي الحديث عن مافيا «زبالة» تستغل ضيق حال البلديات لتفرض عليها أسعاراً مرتفعة لشراء النفايات: في جلّ الديب مثلاً، وصل سعر نقلة الكميون الواحد الى 700$. في الخنشارة يتم نقل النفايات الى معمل زحلة مقابل 200$ للطن، علماً بأن أحد المقاولين عرض إبرام عقود مع مختلف بلديات ساحل المتن الشمالي بسعر 65$ للطن الواحد من دون أن تتمكن البلدات من الاتفاق معه لعدم معرفتها مصير عقود سوكلين والمناقصات الجارية حالياً. لذلك، اتخذت بلدية جل الديب قراراً يقضي بتكديس أكياس القمامة على قطعة أرض تملكها بالقرب من البحر مع ضمانها إقامة عازل بين الأوساخ والبحر. غير أن درك الشواطئ أوقف العملية، طالباً منها أخذ موافقة محافظ جبل لبنان فؤاد فليفل الذي رمى الكرة في ملعب وزير الأشغال العامة والنقل. وهكذا تعطل «الحل» وبقيت النفايات راقدة في مكانها وتتمدد. نواب المتن الشمالي لا يرون في ما يحصل سبباً كافياً للتدخل والمساهمة في إرساء الحلول، ومن كان يُعرّف عن نفسه كممثل المجتمع المدني في المجلس النيابي غائب عن السمع والبصر كلياً، فيما يمثل نائب آخر نموذجاً مصغراً عن رجالات الدولة اللبنانية: تتكدّس النفايات أمام منزله، فيهاتف رئيس البلدية كي يتخلص من البراميل الخضراء ليتمكن من شرب القهوة على بلكونه في الهواء الطلق مجدداً.