ملف أمن المطار مطروح على طاولة رئيس الحكومة منذ 4/12/2014، أي منذ سنة وأربعة أشهر. يومها لم يكن الملف يتسم بأولوية قصوى للإسراع في التلزيم والتنفيذ على الرغم من الحاجات الملحّة. بقي الأمر متروكاً لرغبات الواهب السعودي ومشيئته، الذي قرر ان يموّل هذه الصفقة من اصل الهبتين المخصصتين لتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية. ابلغت السعودية رئيس الحكومة تمام سلام رغبتها في "أن يحدّد لبنان حاجاته، وأن يرسل لوائح مفصلة فيها للجهات المعنية في السعودية، فتقوم هي بشرائها ثم تقدّمها للبنان".
على هذا الأساس، أصدر رئيس الحكومة القرار الرقم 252/2014، وألّف «لجنة مشتركة لدراسة موضوع تنفيذ مشاريع رفع مستوى الحماية الأمنية في مطار بيروت الدولي وإعداد دفاتر الشروط اللازمة لتنفيذها». ضمت هذه اللجنة ممثلاً عن وزارة الداخلية، وممثلين عن وزارة الأشغال العامة، ورئيس جهاز أمن المطار وممثلا عن مجلس الإنماء والإعمار. باشرت اللجنة عملها، فتوصلت إلى تحديد مجموعة كبيرة من الحاجات الأمنية للمطار، تتعلق بالنقص في الكاميرات المتطورة، وأجهزة كشف المتفجرات على أبواب الدخول وفي الداخل أيضاً، فضلاً عن أجهزة الاحتواء التي تقلّل من أضرار أي تفجير، بالإضافة إلى أجهزة السكانر المتطوّرة للحقائب والأشخاص.

مصدر التمويل

أنجزت اللجنة لوائح الحاجات الأمنية لمطار بيروت الدولي وأجرت استدراج العروض المالية والفنية، الا ان السعودية قررت الغاء الهبة، فباتت الحكومة مضطرة الى تمويل الصفقة من الخزينة اللبنانية. في هذه اللحظة ظهر الصراع على الجهة التي ستدير هذه الصفقة وتقرر من سيفوز بها وباي اسعار. تلّقى مجلس الوزراء أربعة تقارير من الإدارات الممثلة في اللجنة. التقرير الأول جاء من وزارة الأشغال العامة برقم 350 بتاريخ 21/3/2016، والثاني جاء من مجلس الإنماء والإعمار ورقمه 1170 بتاريخ 22/3/2016، والثالث من وزارة الداخلية برقم 379 بتاريخ 26/3/2016 والرابع من وزارة الداخلية أيضاً تحت الرقم 625 بتاريخ 21/5/2016.
اقترح مجلس الإنماء والإعمار تقسيم الحاجات إلى مجموعات وفق أولويتها، فهناك ما يتعلق بأنظمة الأمن والسلامة ذات الأولوية الأولى (A)، ومشاريع الأنظمة التقنية ذات الأولوية الأولى (C)، ومشاريع أنظمة الامن والسلامة ذات الأولوية الثانية (B)، ومشاريع الأنظمة التقنية ذات الأولوية الثانية (D).
وزارة الأشغال العامة تحدثت عن النقص في الاعتمادات لمباشرة العمل في المشاريع والاحتياجات الأمنية للمطار، ومنها «ملف نظام حماية سور المطار مع غرفة عمليات مركزية ونظام تعديل جرارات الحقائب»، الذي تنقصه اعتمادات مالية، «التجهيزات الأمنية والتقنية ونظام المراقبة» الذي يتضمن ثلاثة خيارات: الأول كلفته 45 مليون دولار، والثاني 30 مليون دولار، والثالث 24.2 مليون دولار، وملف «معالجة كاسر الموج لحماية المدرج البحري للمطار» بكلفة 26.85 مليار ليرة.

حرب اقتراحات

اقترحت وزارة الداخلية أن يوافق مجلس الوزراء على عقود التلزيم مع الشركات التي فازت في استدراج العروض الذي أنجزته اللجنة المشتركة لشراء الحاجات وفق 4 مجموعات. وبحسب مصادر وزارية، فإن الشركات الفائزة في استدراج العروض الذي أجرته اللجنة المشتركة لكل مجموعة من التلزيمات على حدة، هي أربع: «غوارديا سيستمز»، «الحمرا غروب»، و«ميز» أيضاً، إضافة إلى شركة رابعة. تقول المصادر إن وزير الداخلية نهاد المشنوق اقترح أن يوافق مجلس الوزراء على توقيع عقود بالتراضي مع ثلاث من الشركات الفائزة في استدراج العروض الذي أجرته اللجنة المشتركة وإقصاء شركة «غوارديا» وإحلال شركة «شيب» بدلاً منها. وقد برّر المشنوق هذا الأمر بالاستناد إلى مفاوضات أحادية أجراها مع شركة "شيب"، التي وافقت على خفض أسعارها الى مستوى أقل من سعر "غوارديا".
اقتراح المشنوق لاقى معارضة من طرفين؛ الطرف الأول هو الشركات التي رأت أن وزير الداخلية يسعى لتزكية الحمرا وشيب لتلزيمهما مجموعتين من أصل أربعة. أما الطرف الثاني فهو وزير الاشغال العامة غازي زعيتر، الذي اقترح أن يجري التلزيم بواسطة استدراج عروض لمتعهدين يسميهم بقرار منه، ويتنافسون في العروض التي تقدّم لإدارة المناقصات، على أن يكون التمويل من الخزينة اللبنانية. وقد أدّى الاختلاف في الاقتراحات إلى اندلاع سجال حاد بين الوزيرين في الجلسة المذكورة.

مبررات الطرفين

قرر مجلس الوزراء وضع الأمر في عهدة وزارة الاشغال

مبرّرات المشنوق للصيغة التي عرضها، تستند إلى الأولوية القصوى لإنجاز الملف بعدما سمع كلاماً من وزير خارجية بريطانيا عن الهزالة الأمنية في المطار واطلع على تقارير ستة خبراء أمنيين بريطانيين خلال زيارته الأخيرة إلى لندن. وزير الخارجية قال للمشنوق: "لديكم خرق أمني أكبر من الخرق في مطار شرم الشيخ". المصادر تقول إن المشنوق حاول منح الموضوع زخماً أكبر عندما صرّح من لندن، على وقع تفجيرات بروكسل، بأن أمن مطار بيروت لا يقلّ سوءاً عن امن مطار شرم الشيخ، وأن هذا التصريح كان يهدف إلى تكريس صيغة التراضي التي اقترحها على مجلس الوزراء، بعيداً عن أي دور لوزارة الأشغال. فهو كرّر الأمر في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في 12 نيسان، حين استند إلى التقارير الصادرة عن البعثات الأمنية الأوروبية التي «زارت مطار بيروت للتأكد من مستوى الحماية فيه بغية السماح باستمرار رحلات شركات الطيران الأوروبية منه وإليه، تضمنت وجود بعض الثغر الأمنية والنقاط السلبية التي يجب سدّها ومعالجتها بالسرعة القصوى».
ما كان لافتاً لدى أصحاب الشركات المعنية بهذا الملف، أن ممثل شركة الحمرا غروب، المتخصصة في أجهزة الامن الوقائي ونظام شبكات المراقبة، كان يرافق المشنوق في زيارته إلى لندن حيث أطلق تصريحاته، وأنه رافقه في عدد من الزيارات الخارجية التي قام بها. المشنوق قال لـ"الأخبار" إن ممثل شركة الحمرا، وهو من طرابلس من آل المقدّم، ليس إلا صديقا قديما زارني في الفندق في لندن عندما علم بوجودي هناك".
في المقابل فإن مبرّرات زعيتر للصيغة التي اقترحها ليست بعيدة عن المبرّرات الأمنية، إذ أوضح أن الأنظمة المرعية في لبنان لا تتيح إنجاز الصفقة إلا ضمن الأصول المعروفة، أي أن يجري التلزيم عبر وزارة الأشغال المسؤولة عن تجهيزات المطار. بحسب المصادر، يقترح زعيتر التلزيم بطريقة استدراج العروض المحصور، أي إن وزير الأشغال يسمّي بقرار منه الشركات المدعوة لتقديم عروضها. ويأخذ احد الوزراء على وزير الاشغال انه يرفض التعاقد بالتراضي رغم الحاجة الأمنية الملحّة ورغم التأخير الكبير في تنفيذ أشغال سور المطار التي لم يكن ينقصها سوى 1.6 مليون دولار، وهو مبلغ بسيط كان يمكن إقراره بسهولة في مجلس الوزراء لو عرض سابقاً.


"شمّاعة" الصفقات

في النهاية، قرر مجلس الوزراء وضع الأمر في عهدة وزارة الاشغال. الا ان مسار الأمور، وفق المطلعين، لم يعد يتعلق بالاصول القانونية ولا بطريقة التلزيم، بل بكعكة التلزيم والصراع بين الشركات وممثليها السياسيين. فقد وافق مجلس الوزراء على تقرير اللجنة المشتركة لجهة الحاجات، لكنه كلّف وزارة الأشغال القيام باستدراج عروض محصور ينفذ في إدارة المناقصات وفق دفتر شروط أعدّته اللجنة، على أن يتم تقصير المهل حتى 15 يوماً.
بين صفقة "بالتراضي" وصفقة "باستدراج عروض محصور"، يُراد أن تلعب إدارة المناقصات دور شاهد الزور، فهي لا تعدّ دفتر الشروط ولا تشارك في إعداده، ولا تشارك في تسمية الشركات المؤهلة للمشاركة ولا في موضوع المهل، بل يقتصر عملها على فضّ العروض وإعلان النتائج التي قد تكون مركّبة سلفاً! "التراضي" كما "استدراج العروض المحصور" هما الاستثناء للقاعدة المنصوص عنها في قانون المحاسبة العمومية، أي المناقصة المفتوحة. وهما طريقتان لتحويل إدارة المناقصات إلى شماعة «شفافية»، اعتمدت في السابق من قبل وزارة الداخلية التي أعدّت دفتر الشروط لمناقصة المعاينة الميكانيكية وفرضته على إدارة المناقصات رغم اعتراضها على بنوده المخالفة لمبدأ التنافس، لا بل فرض مجلس الوزراء على الإدارة إدخال أعضاء من الإدارة في لجنة فضّ العروض، واعتمدت أيضاً في مناقصة تشغيل الخلوي، وفي مناقصات معامل الكهرباء... الجميع لديه قناعة بأن الاصول تقضي بإجراء الصفقات لدى إدارة المناقصات، لكن الكل يريد ان يكون هو الرابح.




سور المطار: تنافس اللائحة الواحدة!


تدلّ مناقصة سور المطار على طبيعة الصراع على الصفقات. في الجولة الأولى أُبلغ العارضون المختارون من قبل وزير الاشغال العامة بموجب قرار رقم 1/330 تاريخ 18/4/2015»، وتبيّن أن شركة آراكو للاسفلت (مملوكة من جهاد العرب) بالتحالف مع مجموعة الحمرا (شركة إماراتية الأصل)، تنافست مع تحالف شركتي «مؤسسة حمود للتجارة والمقاولات» و"انجينيرينغ كروب كونتراكتورز". وخرج التحالف الثاني بسبب عدم مطابقته دفتر الشروط، ما دفع لجنة التلزيم إلى الغاء المناقصة بسبب «عدم الأخذ بالعرض الوحيد».
وفي الجولة الثانية، شاركت أربع شركات من اللائحة نفسها التي أعدّها الوزير لتسمية المتعهدين والواردة في القرار 1/330، على النحو الآتي:
ــ تحالف آراكو للاسفلت وشركة غوارديا سيستمز.
ــ تحالف مؤسسة حمود وانجينيرينغ كروب كونتراكتورز.
ــ تحالف انطوان مخلوف وشركة ماك كورب.
ــ تحالف حميد كيروز ومجموعة الحمرا.
في النهاية رسا التلزيم على آراكو وغوارديا بقيمة 6.365 ملايين دولار. هذا السياق يظهر أن استدراج العروض وتسمية المتعهدين ليسا إلا أحد أوجه الفساد، مثلهما مثل كل الصفقات بالتراضي التي يخرق فيها مجلس الوزراء بنود قانون المحاسبة العمومية. أمن المطار ليس أولوية للسلامة العامة، بل أولوية للصفقات العامة.