يوم تحدّيات وتهديدات متبادلة جديدة شهده الملف

السوري أمس، ميدانياً وسياسياً، داخلياً وخارجياً. الشارع المنقسم تبلور بوضوح مجدداً، بينما علت التحذيرات الإقليمية والدولية من وقوع حرب أهلية، وإذا صحّت الأنباء، فإنّ الجيش السوري بدأ بالرد على احتمال إقامة منطقة عازلة
ازداد عدد المحذّرين الدوليّين من احتمال وقوع حرب أهلية في سوريا، إذ انضمّ إلى التحذير الروسي الذي صدر على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، أول من أمس، كل من نظرائه الأميركية والتركي والفرنسي، وهو ما أعربت ايران عن تخوفها من حصوله أيضاً.
وعلى وقع التسابُق الدولي في تحذير سوريا والتلويح بمعاقبتها بمختلف السبل، أعادت دمشق الكرة مجدداً إلى ملعب الجامعة العربية، عندما طلبت تعديل النص القانوني الذي ينظّم زيارة وفد المراقبين الذين قرر وزراء الخارجية العرب إرسالهم إلى سوريا، علماً أن المهلة العربية التي منحت لسوريا يوم الأربعاء، لكي توافق على اقتراح إرسال المراقبين العرب، تنتهي اليوم.
أما عسكرياً، فكان الأبرز ما نقله موقع تلفزيون «المنار» عن «مصادر غير رسمية» ومفاده أن «الجيش السوري بدأ عملية انتشار على كل الحدود مع تركيا، مطلقاً على العملية اسم تحطيم الأوهام»، فيما بدا كردّ على الأنباء والتقارير التي تحدثت عن احتمال قيام تركيا بفرض منطقة حظر جوي تتحول إلى منطقة عازلة تضم مدينة حلب في إطار مخطّط اطاحة النظام. وبحسب «المنار»، فإنّ الجيش «أعلن المنطقة الحدودية بعمق 20 كيلومتراً الفاصلة عن الحدود التركية، منطقة عسكرية مغلقة ممنوع الدخول إليها والخروج منها الا بموافقة الجيش».
وفي القاهرة، كشف الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي أن سوريا طلبت إدخال تعديلات على خطة إرسال مراقبين من الجامعة إلى سوريا لتقييم الوضع هناك. وجاء في بيان العربي أنه تسلّم رسالة أول من أمس الخميس من وزير الخارجية السوري وليد المعلم «تتضمّن تعديلات على مسودة البروتوكول تتعلق بالوضع القانوني ومهام بعثة المراقبة المزمع ايفادها الى سوريا». ونقل البيان عن العربي قوله إن هذه التعديلات «تخضع الآن للدراسة». وكانت وكالة «أسوشييتد برس» قد نقلت عن مسؤول سوري «رفيع المستوى» تأكيده أن سوريا وافقت «من حيث المبدأ» على استقبال وفد المراقبين العرب «ونحن بصدد دراسة التفاصيل». وفي السياق، كشف عضو اتحاد الأطباء العرب، المقررة مشاركته في الوفد العربي المحتمل أن يتوجه إلى سوريا، إبراهيم الزعفراني، لـ«أسوشييتد برس» ايضاً، أن وفد المراقبين الـ500 يضمّ أطباء ومحامين وناشطين حقوقيين وخبراء عسكريين، محدداً هدف لجنة المراقبين بـ«حماية المدنيين».
ورغم أن واشنطن انتقدت التحذير الروسي من نشوب حرب أهلية في سوريا على خلفية الانقسام الحاصل في الجيش، عادت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، لتحذّر، أمس، من احتمال أن «تنزلق الأوضاع في سوريا إلى حرب أهلية»، ووجهت اللوم إلى الرئيس بشار الأسد في «استفزاز المنشقين ليحملوا السلاح». وقالت كلينتون في مقابلة مع شبكة «أن بي سي» الأميركية، على هامش زيارتها لمدينة بالي الإندونيسية، إنّ الوضع في سوريا «قد يتحول إلى حرب أهلية». وأضافت كلينتون أن بلادها تريد أن ترى «معارضة سلمية وغير عنيفة». ورداً على سؤال بشأن الرد الدولي تجاه ما تشهده سوريا، قالت كلينتون إن جامعة الدول العربية «وجهت إشارة لا تخطئ إلى ضرورة أن يرحل الأسد عن السلطة»، لكنها أشارت إلى أنه لا توجد «شهية» لأي تدخل عسكري أميركي أو من قبل الأمم المتحدة كما حصل في ليبيا.
وفي مقابلة أخرى مع شبكة «سي أن أن» الأميركية، لفتت كلينتون إلى أن الوضع في سوريا «مقلق جداً»، معترفةً بأن المعارضة السورية «تتغير وأصبح جزء منها مسلحاً جيداً ومستعداً للقيام بخطوات ضد الحكومة السورية».
أما في أنقرة، فقد حذّر وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو أيضاً، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي آلان جوبيه، من «مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية» في سوريا، مشيراً إلى أن «المنشقين عن الجيش السوري بدأوا بالتحرك في الفترة الاخيرة، ولذلك هناك مخاطر بالانزلاق الى حرب اهلية». كذلك نبّه الوزير التركي إلى أن بلاده قد تتّخذ المزيد من الإجراءات ضد النظام السوري إذا استمر العنف، وهو ما وافقه فيه جوبيه الذي شدد على ضرورة تشديد العقوبات على دمشق. ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن داوود أوغلو قوله إن «العقوبات الاقتصادية فضلاً عن الإجراءات الأخرى يجب أن تطرح على الطاولة إذا واصلت الحكومة السورية قمعها». ورداً على سؤال عما إذا كانت تركيا تعتزم اقامة منطقة عازلة أو فرض منطقة حظر جوي على حدودها مع سوريا، أجاب بأن مثل هذا الاجراء «ليس مطروحاً في الوقت الحالي»، محذراً في الوقت نفسه من أنه «من الممكن اتخاذ اجراءات في المستقبل»، من دون أن يعطي ايضاحات اضافية. وتابع «هدفنا الأساسي هو اتخاذ خطوات ضرورية بالتوازي مع مبادرة الجامعة العربية لوقف سيل الدماء. لكن إذا استمرت الهجمات، فستكون هناك حاجة لاتخاذ المزيد من الإجراءات بدءاً بالعقوبات الاقتصادية كي نتمكّن من وقف المجزرة». وأعرب عن أسفه لفشل «الجهود التركية لأن الإدارة السورية لم تصغ إلى نداءاتنا ونداءات العالم. والأهم أنها رفضت الإصغاء إلى صوت شعبها ووجهت إليهم السلاح بدلاً من ذلك».
بدوره، توقع جوبيه أن يكون الرد السوري على المبادرة العربية بإرسال مراقبين إلى سوريا سلبياً، قائلاً «لا أريد استباق الامور، لكنني أشك في أن يوافق النظام». وخلص رئيس الدبلوماسية الفرنسية إلى أنه «آن الاوان لتوحيد جهودنا من أجل تشديد العقوبات» على دمشق، مجدِّداً الطمأنة إلى أن فرنسا «مستعدة للعمل مع المعارضة السورية». ووصف الوضع في سوريا بأنه بات «لا يحتمل»، داعياً مجلس الامن الدولي إلى التحرك. وعن هذا الموضوع، قال جوبيه «من الجيد أن يتخذ مجلس الامن الدولي موقفاً، اذ ليس من المنطقي أنه لم يتحرك بعد إزاء أزمة بهذا الحجم، وهذا غير مقبول». وفي المؤتمر الصحافي نفسه، ناشد جوبيه المعارضة السورية تفادي اللجوء إلى «التمرد المسلح لأنّ حرباً أهلية ستكون كارثة حقيقية». وفيما كرر جوبيه أن فرنسا تعارض «اي تدخل أحادي الجانب» في سوريا، لفت إلى أن «مثل هذا التدخل، إذا حصل، يجب أن يكون في اطار تفويض من مجلس الامن الدولي». وفي السياق، استبعد مصدر أوروبي أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتحرك منفرد تجاه الأزمة في سوريا. وقال المصدر الأوروبي في بروكسل لوكالة أنباء «آكي» الإيطالية إنه «لا نية للاتحاد بالتحرك بمفرده، وبالنسبة إلى أوروبا، يجب أن يتحرك المجتمع الدولي بكافة أطرافه معاً من أجل وقف العنف في سوريا وتأمين انتقال هذا البلد نحو الديموقراطية».
في غضون ذلك، كانت العاصمة التركية تستقبل ضيفاً آخر، هو رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني (البرلمان)، علاء الدين بروجردي، الذي وصف قرار الجامعة العربية تعليق عضوية سوريا بأنه «خطأ تاريخي»، لأنّ من شأن هذا القرار أن «يتسبب في المزيد من الفوضى في سوريا وحتى قد يؤدي إلى حرب أهلية قد تنتقل إلى المنطقة بأكملها» بحسب وكالة «أسوشييتد برس». وجزم بوجردي بأن «الحل الأمثل هو الاصلاحات التي بدأ الرئيس بشار الأسد بتطبيقها». غير أن التغطية الإخبارية لوكالة «يو بي آي» لكلام بروجردي جاءت مختلفة، إذ إن المسؤول الايراني اتّهم، بحسب تلك الوكالة، الجامعة العربية بأنها «ترغب في إشعال حرب أهلية في سوريا». وبحسب المصدر نفسه، فإنّ بروجوردي قال إن «الأسلوب الذي تستخدمه الجامعة العربية في تعاملها مع الملف السوري يهدف إلى التسبب بحرب أهلية في سوريا، وهذه الحرب الأهلية قد تقود إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة كلها». ورداً على سؤال عن رأي إيران بسياسة تركيا تجاه سوريا، أجاب: بإمكان تركيا أن تجري مشاورات مع إيران حول سوريا وأن تلعب «دوراً بنّاءً أكثر في الموضوع».
أما رئيس الحكومة الروسية، فلاديمير بوتين، فقد بعث بإشارات عامة حين دعا إلى ضرورة «ضبط النفس والحذر بشأن سوريا» في مجلس الأمن الدولي. ونقلت وسائل إعلام روسية عن بوتين قوله، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي فرانسوا فيون في موسكو، لدى سؤاله إن كانت بلاده ستدعم قراراً يدين سوريا في مجلس الأمن، «نحن مستعدون للعمل مع المجتمع الدولي بأكمله، وسنقوم بذلك، لكننا ندعو الى ضبط النفس والحذر. هكذا أفترض أن يكون موقفنا تجاه هذه المسألة». وأضاف «لا ننوي تجاهل رأي شركائنا، وسوف نتعاون مع الجميع»، مكرراً موقف بلاده التي تعارض «استخدام القوة على الإطلاق في حل مسائل من هذا النوع».
على صعيد آخر متصل بما كشفه المراقب العام لحركة «الاخوان المسلمين» السوريين محمد رياض شقفة عن نيل «المجلس الوطني السوري» وعداً بأن يتم الاعتراف به قريباً من قبل بريطانيا، كشفت وزارة الخارجية البريطانية أن الوزير وليام هيغ سيلتقي قريباً وفداً من ممثلي المعارضة، مشيرة إلى أنه تم تعيين السفيرة البريطانية السابقة لدى لبنان، فرانسيس غاي، «للتواصل مع المعارضة السورية».
(الأخبار، أ ب، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)