في أزقّة الشام العتيقة، تحت أول مطر تشرين، بين طاولات المقاهي الساهرة على أخبار البلاد، تتكشف كل الروايات. «الدولة» هنا، و«الثورة» هنا. «الشبيحة» و«الدبيحة»، بحسب الاتهامين المتبادلين. «الرسميون» من كلا الطرفين. هنا تفك عقد الألسن، يحكى المحظور والممنوع والأكثر خطورة. هنا تسمع كل الحقيقة، بنصفيها، تلك التي لا يقولها أي كان، في أي مكان آخر... وحدها البسمة الشامية سمة مشتركة بين وجوه الموالين والمعارضين. تعلو قسماتهم التعبة. ما تبقى يفرقهم. العيون هنا ثابتة محدقة. هناك متنقلة هاربة. نبرة الكلام: عالية محتدّة لدى أهل «الدولة». خفيضة عند ناس «الثورة». واثقة على بقاء عند الأولين. واثقة على رجاء لدى الآخرين. لكن الأخطر التقاء الطرفين في آخر الكلام، عند عبارة واحدة: سنقاتل حتى النهاية.


ثورة أم مؤامرة؟

أولى إشكاليات الصراع المفهومي: ها هي أسباب الأحداث الراهنة في سوريا؟ المعارضون جوابهم جاهز: إنها ثورة الخبز والحرية والكرامة. الموالون جوابهم جاهز أيضاً: إنها المؤامرة القديمة جداً، على سوريا والمنطقة وفلسطين والعروبة والممانعة والحداثة، في آن معاً.
لكن اللافت أن لكل من الطرفين حججه. بمعزل عن المواقف الإطلاقية، يقدم المعارضون بيناتهم عبر قراءتهم لكرونولوجيا الأحداث: ماذا حصل في درعا، شرارة «الثورة»؟ مسألة أولاد، انتهت بشبه مذبحة. أي مسؤول حوكم؟ هل رأيتم واحداً سيق أمام قاض أو وجد خلف قضبان؟ هكذا ثارت درعا. الأمر نفسه في كل المناطق الأخرى. في حمص بدأت التجمعات الشعبية ضد المحافظ، إياد الغزال. والأسباب معروفة: الفساد، صرف النفوذ، عدم تلبية مصالح الناس... فكان الجواب الأول أن الغزال هو الابن المدلل لنظام، لا يمكن مسّه. لتنتهي التطورات الحمصية الى إعفاء المحافظ من منصبه، لكن متى؟ يصير الصوت أكثر همساً: بعدما تبين أن أنفاقاً تحت الأرض، وحتى مستشفى ميدانياً تحت الأرض، وتسهيلات عسكرية كاملة تحت الأرض، أقامها المسلحون، تحت غطاء تراخيص من المحافظ لمنشآت مدنية. وكل ذلك بسبب الفساد والقدرة على استخدامه.
القصة نفسها في منطقة «الجزيرة». ظل كل شيء هادئاً، حتى بعد اندلاع الأحداث في أكثر من منطقة. ذات عشية كانت شاحنة صغيرة تعود من حمص الى «الدير». لم تنتبه للتوقف عند حاجز عسكري. أطلقت النار وسقط ضحيتان. وصل الخبر الى الأهل والعشيرة. تمت اتصالات وطوق الموضوع، وصار تفهم لقدرية الحادث. لكن عند وصول الجثمانين ليلاً، قرر أحد «المسؤولين» هناك أن يتم دفنهما ليلاً. أبلغ الأهالي أنه ممنوع عليهم انتظار الصباح. في اليوم التالي أفاقت المنطقة على الخبر. اعتبر الأمر إهانة لعادات قبلية. فبدأت المشاكل...
ولا تنتهي أخبار المعارضين عن حوادث كتلك، ليخلصوا الى السؤال: اين المؤامرة في أخطاء كهذه؟ اين واشنطن وتل أبيب والرجعية والاستعمار في تجاوزات، جعلت المخيلات الجماعية تنبش من مكبوتاتها صوراً قديمة، وأحقاداً؟
يعترف المعارضون من جهتهم بداية بالأخطاء والتجاوزات، لا بل يقولون إنهم يعرفون أكثر منها. لكن هل هذا ما جعل هذه الحروب الصغيرة تتفلت عبر طول سوريا وعرضها؟ منذ اللحظة الأولى لوصوله الى الحكم، وبشار الأسد يطبق الإصلاح تلو الإصلاح. «ربيع دمشق» سنة 2001، وأده عبد الحليم خدام بالذات، من تحول اليوم رمزاً من رموز الثورة. حتى بعد اندلاع الأحداث، أعلن الأسد إقرار خمسة قوانين إصلاحية جذرية. مَن مِن المعارضين يتحدث عنها؟ من ناقشها أو حاور بشأنها أو طالب بأجندات زمنية لتطبيقها؟ الجواب الوحيد عندهم: رفض الحوار وإسقاط الدولة. هذا كلام ليس بجديد علينا. سمعناه في كانون الأول 2002، يوم جاءنا تيودور قطوف، كمفرزة سباقة لكولن باول في زيارته الشهيرة بعد فترة. وقطوف، كصاحب بعض أصل عربي، حاول أن يعطينا انطباع مصارحته لنا. قال بوضوح: لماذا تتمسكون بكل تلك الأثقال؟ «حماس» ضدكم. إنها «إخوان»، وتأتمر بعواصم مناوئة لكم. اتركوها تربحوا بشكل مزدوج. الأمر نفسه بالنسبة الى حزب الله. في النهاية، ستجدون أنفسكم في صراع مع النفوذ الإيراني عبره. تخلوا عنه... الى آخر المعزوفة. كان جوابنا: فلسطين والجولان والقضايا العربية المحقة والمطالب المشروعة... فبدأت الحرب. هي نفسها سنة 2005 عبر لبنان، وهي نفسها اليوم عبر سوريا مباشرة.
إنها المؤامرة. لا وجود فيها لثورة وحداثة وتغيير. الذين يحيّون العرعور في الأزقة هم دعاة الليبرالية؟ أم الذين جاءوا بالفتاوى الأصولية لسبي نساء بعض الأحياء باتوا رواد الحداثة؟ أم الملكيات الوراثية هي نماذج الديموقراطية؟ أم قواعد سيلي وأنجرليك وسنتكوم، صارت حصون القضية الفلسطينية؟ لن نسمح لأحد بتضليلنا. نعرف حقيقة المواجهة، وسنخوضها حتى النهاية.
للمرة الأولى ربما، يكتشف السامر في مقاهي الشام هذه الشفافية في مقاربة المحرمات السابقة. تريد أن تسمع حقيقة الأمر حول الواقع الطائفي والمذهبي؟ فاسمع إذن. يقول المعارضون إن «نظام الدولة» هنا كان أقلوياً، تمييزياً علوياً منذ أربعين عاماً. ينبش المعارضون أسماء أعضاء اللجنة العسكرية الشهيرة لحزب البعث في الستينات. يروون لك مصائر بعضهم. ويستدلون بكل اسم على منطقة وجماعة ومذهب وقطاع من قطاعات «الثورة» الراهنة. يحاولون رسم خريطة الثورة بتداعيات الحقد المذهبي الدفين، حيال نظام طال صموده. قبل أن يربطوا الكلام الاستذكاري غير الصالح للنشر، بالواقع الراهن، مذهبياً أيضاً: أما سمعنا ذلك الكفر منذ فترة يصرخ في ساحة المسجد: لا إله إلا... هل تعتقد أن ثمة سنياً واحداً في سوريا يقبل هذا الكلام؟ هل حوسب المسؤول عنه؟ هل عوقب أم كوفئ؟ ثم قصف المساجد، والحرب في الساحل الغربي، كان ثمة من يحاول التمهيد لخريطة جديدة. هناك سفح متكامل يضرب، من حدود سوريا الجنوبية مع لبنان حتى حدودها مع تركيا. هل هناك من يتوهم أن بإمكانه الانكفاء؟ هل نسوا أنهم محصورون في الجبال، وأن الساحل معنا؟ فضلاً عن كل ظروف المنطقة وموازينها الجديدة؟
يبتسم الموالون بحدة أكثر حيال هذا الكلام. أي واقع مذهبي يتكلمون عنه؟ تعال نفتح الأوراق كلها: بشار الأسد هو من ألغى كل انطباع ــــ لا واقع ــــ عن تمذهب في النظام في سوريا. يا أخي نائبة الرئيس اليوم هي شقيقة أحد الزعماء التاريخيين لحركة «الإخوان المسلمين»، في جناحهم السياسي السلمي. وزير الدفاع مسيحي. رئيس الأركان كذلك. نواب أركانه ثلاثة منهم سنة. حتى الإدارات العامة، تلك التي كانت مغايرة قبل عقود، اثنتان منها اليوم، أساسيتان، يشغلهما ضابطان كبيران من السنة. أكثر من ذلك، الكل يعلم أن في سوريا مناطق إدارية ذات صلاحيات واسعة، هي المحافظات. بدليل ما قالوه لك عن الشكوى من محافظ هنا أو آخر هناك. نعم المحافظون هم فعلياً حكام مناطقهم. فكيف يتوزع المحافظون في سوريا اليوم؟ نتحداهم أن يجيبوك. هناك 14 محافظة سورية. على رأسها محافظ مسيحي واحد، وآخر درزي، ومحافظان علويان فقط، وعشرة محافظين سنة. عن اي مذهبية يتحدثون؟ أكثر من ذلك، هل تعرف لماذا استمرت المعارك اياماً في مدينة الرستن علماً أن المسلحين فيها لم يتعدوا مئتي شخص؟ لأن الرستن، المدينة السنية بامتياز، خزان أركان الجيش السوري وقيادته. اسمع هذا الرقم: هناك نحو 1700 ضابط في مختلف قطعات الجيش من الرستن وحدها. لذلك أخذت القيادة كل وقتها في معالجة الوضع، لأن كل رصاصة قد تطلق على مخرب محتم خلف جدار، ستصيب منزل ضابط في الجيش. 1700 ضابط من تلك المدينة وحدها، فعن أي مذهبية يتكلمون؟
لا بل اسمع أكثر: هناك مشكلة لدينا مع بعض التيارات الأصولية؟ نعم هذا صحيح. وهذا أمر نعترف به كلنا في سوريا. سنة وعلويين ومسيحيين ودروزاً. إنها مشكلة كل البلاد مع تيارات تكفيرية أقلوية، تحاول منذ عقود فرض نفسها ورأيها على أكثرية السوريين الساحقة. تريد دليلاً على ذلك؟ عندما انتفض هؤلاء التكفيريون في حماه للمرة الأولى عامي 64 و65، هل كان ثمة علوي في السلطة في دمشق؟ طبعاً لا. وكان أمين الحافظ هو الرئيس، أو محمد أمين الحافظ بصورة أدق. وثاروا عليه. وهو من ضربهم وحفظ استقرار البلاد. فهل كانت ثورتهم يومها مذهبية؟ أم تكفيرية أصولية؟ وفي المرة الثانية، حين ثاروا ايضاً في حماه، من آزر حافظ الأسد في حفظ الاستقرار والدولة؟ دمشق أولاً. اي عاصمة أمية وأهل أمية. وللذين لا يعرفون التاريخ، عليهم أن يدركوا أن أحداً في التاريخ لم يحكم دمشق. هي دوماً من يحكم حكامها، عبر طبقة اقتصادها وشبكة ازدهارها ومصالحها. ومن لا يتذكر خطاب حافظ الأسد يومها بعد العاصفة، لا يعرف كيف تحكم دمشق، وكيف تأبط الرئيس الراحل بعد إلقائه خطابه ذراع بدر الدين الشلاح، التاجر الدمشقي الأشهر ورئيس غرفة التجارة في دمشق، ليخرجا معاً من القاعة...
هذه هي ثوابت سوريا، وكل الباقي استغلال رخيص وألاعيب إعلامية وخارجية معروفة ومكشوفة.
يحرص المعارضون على تأكيد سلمية حركتهم. كل ما تبقى من نتاج الانشقاقات داخل القوات المسلحة، يقولون ويشددون. فنحن نمثل أكثرية الشعب، والغالبية تؤيدنا، طوعاً، لا لزوم لنا في عمل عنفي، على عكس النظام... يضحك الموالون طويلاً: إنهم مسلحون حتى أسنانهم، وسلاحهم من كل المصادر، ومن كل الأعيرة. هم لا يمثلون شيئاً في الشارع، لذلك كل رهانهم على إثارة فتنة مذهبية، تقود الى حرب أهلية، تصير ذريعة للتدخلات الخارجية.
يتمسك المعارضون بكل قوتهم بالصورة عن «حضارية» ثورتهم. طبعاً تنقصهم أيقونات ثورات تونس أو مصر أو البحرين. لا شعلة بوعزيزي، ولا شهادة خالد سعيد، ولا حتى مدونة توكل كرمان. وفي المقابل، يضنيهم تحول حركتهم الى الدموية بصورة متسارعة. لذلك يشددون على روايات انشقاق الجيش. يروون ما يشبه الأساطير عن مقاومات وبطولات وعصيانات و«ضباط أحرار» و«جيش ثورة»... هناك صواريخ «شلكه» باتت بأيدي «الثوار». من أين تأتي هذه إضافة الى القاذفات والأسلحة المتوسطة؟ كلها من سيناريو البومب أكشن المهرب الينا من مرفأ سوليدير؟ اسلحة كهذه لا تتوافر إلا لدى القوى النظامية، وانتقالها الى أيدي «الثوار» يؤكد حصول الانشقاقات. يقولون لك: لا تنس أن نحو نصف السوريين من أهل القبائل. ثلاث منها فقط تشكل أكثر من ثلث عدد المواطنين. وهؤلاء لم يعودوا في وارد الاستكانة أو الصمت حيال المجازر والفظائع. هذا برهان غليون، ابن عشيرة الفداعسة، يمثل ما يمثل. عندما دعا الى تشكيل المجلس الوطني بعد اجتماع اسطنبول، تحولت المنازل في حمص مراكز اقتراع لانتخاب أعضائه. كان الناس يأتون من مختلف الأحياء والمحلات المحيطة، يدخلون بيتاً عادياً، يصوتون لممثلهم في مجلس السلطة الانتقالية في الخارج، ويخرجون عائدين الى بيوتهم. هيثم المناع يمثل الحالة نفسها في درعا. هؤلاء قامات حقيقية في الشارع والقواعد ووجدانات الناس. ماذا فعلوا معهم بالمقابل؟ شقيق برهان قتل. ابنة شقيقه اعتقلت. وتطول لائحة القمع...
أي تخيلات وتخرصات «جزيرية» تلك؟ يجيبك الموالون. انشقاقات في القوات المسلحة؟ فليصوروا مجموعة معروفة واحدة، آلية واحدة. فحين ينشق ضابط، يذهب مع مجموعته وأسلحته وآلياته ليلتحق بالطرف المعارض. أين هم من ذلك؟ لا صورة، لا اسم، لا رتبة لا هوية لا آلية ولا منشق. تذكرون في لبنان فؤاد عوض، حين انشق عن الجيش وقام بالانقلاب القومي ضد فؤاد شهاب. يومها سار بكتيبة مصفحات من صور الى بيروت. بينما في سوريا لم نر منشقاً يمشي بدراجة هوائية للجيش، من أقصى سوريا الى أقصاها. في المقابل، يصر المخربون على كذبة المنشقين، كي يغطوا أنهم مسلحون، وأنهم مسلحون من قبل جهات خارجية. «جيش سوريا الحر»؟ اي مزحة وكذبة هذه؟ رياض الأسعد قائد ذاك الجيش؟ إسمع هذه الحقائق التي لا يعرفها الآخرون: أولاً هل تعرف أن الأسعد ضابط متقاعد؟ أي أنه عند اندلاع الأحداث لم يكن ضابطاً في الخدمة الفعلية. وقد سرح لعدم تمكنه من حيازة الترقية الى عميد. ثم حتى يوم كان في عداد الجيش السوري، ما كانت مهامه؟ إنه ضابط مهندس. درس الهندسة وهو في الجيش، هنا في كلية في الشام. فأي جيش قتالي يقوده مهندس متقاعد. الهرموش، نعم كان في الخدمة الفعلية، ولذلك تم التعامل معه بشكل مختلف.
لماذا تلك المفارقة؟ في القامشلي والحسكة والدير، حيث المناطق الكردية، حصلت تظاهرات. لم يسقط جريح. لم تطلق رصاصة. لماذا؟ إذا كانت القوى الأمنية الرسمية هي من يطلق النار، فلماذا تطلقها في حمص ولا تفعل في القامشلي؟ لسبب بسيط، هو أن المتظاهرين هنا سلميون غير مسلحين، فيما هناك يندس بينهم مسلحون من جهات أصولية تكفيرية، يطلقون النار على الأمن، لتنفيذ مخطط المؤامرة.
أما تمثيل «قادة» المعارضة، فتلك مزحة. برهان غليون منذ مدة سبقت الأحداث كان يفاوض للعودة الى سوريا. كان ثمة شخص يتحدث عنه هنا، يقول: نأتي به ويكون كما تريدون ولا تعتلوا هم... أما الارتكابات بحق عائلته، فمضللة كلياً. حتى ليس من الفداعسة هو، بل من حمص المدينة نفسها. هذا مثال نموذجي عن مسلسل التضليل والأكاذيب التي تسوَّق، عن كل شخص وواقعة وحادثة.
أي غد لسوريا؟ سؤال يجيب عنه الموالون كما المعارضون بثقة وتصميم كاملين.
المعارضة جوابها جاهز: سقوط النظام حتمي، ومن دون تدخل خارجي، إنها مسألة وقت. شعبنا واع، وقد أثبت طيلة الأشهر الثمانية الماضية حساً وطنياً راقياً. يخبرك المعارضون روايات كثيرة عن تجنبهم الاستدراج الى النزاعات المذهبية، والحروب الداخلية والفتن الأهلية. يجزمون أن ناسهم تحلوا بقدرات على الصمود والتضامن مذهلة: تخطى شعبنا الكثير. في حمص تداعى الناس لجمع أموال ودفعها لأصحاب محلات أُحرقت في فورة غضب مذهبية، عفوية أو مفتعلة. في الأضحى، كان بعض أصحاب الخير يجول على العائلات الفقيرة، يوزع عليها لحوم الأضاحي. كان الناس يردون بموقف واحد: نحن بخير، اذهبوا الى جيراننا، قد يكونون أكثر عوزاً. الغد آت، وشمسه ستكون بهية. بعد مدة سنلتقي مجدداً، وسنضحك معاً على كل ما يحصل الآن، وسنستذكره كمخاض لمستقبل أفضل قد تحقق...
ثقة الموالين ليست أقل: صمودنا حتمي. ليست المرة الأولى التي نواجه فيها العالم. إسمع خطاب حافظ الأسد الذي تبثه شاشاتنا اليوم. لقد ألقاه سنة 1981، كأنه كُتب للتو، كأنه يشخِّص اللحظة الراهنة ويوصِّف المؤامرة الحالية: هجمة الرجعيين والاستعمار والتحريض الإعلامي وتزوير الوقائع. ماذا عن الضغوط التركية؟ ليست المرة الاولى أيضاً. في العام 1998، كان وليد المعلم سفيراً في واشنطن، وكانت العلاقات متوترة. ذات يوم أدلى بتصريح تحدث فيه عن أراضينا المسلوبة، من الجولان الى الاسكندرون. كان مسعود يلماظ رئيساً لوزراء تركيا، انتقل في اليوم التالي الى ما يسمونه هم إقليم «هاتاي»، وأعلن حشد جيشه على حدودنا. يومها رد حافظ الأسد بكلمتين: طيارو سلاح الجو عندنا، مدربون على مهمات لا يعودون منها... وانتهت الأزمة. لدى سوريا أكثر من 300 ألف صاروخ. خمسون ألفاً منها قادرة على ردع أي مغامر. ووحدة الجيش والناس باتت صلبة كالصخر، خصوصاً بعد مقررات القاهرة الأخيرة. لكن ماذا عن العزلة العربية؟ إنها المرة الثالثة التي نواجهها. في قمتي فاس 1982 وعمان 1987، قوبلنا بقرارات الفصل نفسها، وصمدنا، وعبرت العاصفة. لكن هل المقومات الاقتصادية والمعيشية جاهزة لذلك؟ أكثر من جاهزة يقولون. نحن نصدِّر أدوية من نتاجنا تفيض عن حاجات شعبنا. زراعياً، لدينا كفاية شبه تامة. والفضل للأصوليين والمتآمرين أنفسهم. فبعد محاولتهم الفاشلة سنة 1980، بادر بعض الأنظمة العربية الى قطع المساعدات التي أقرها لسوريا مؤتمر الخرطوم. فقررنا الاعتماد على أنفسنا، وجنينا إيجاباً ثمن سلبيتهم، ولا نزال نجني حتى اليوم. تبقى المحروقات؟ لا مشكلة. يتحدثون عن مقاطعة أوروبية وغربية. لكن يكفي أن تخفض لهم الأسعار بضعة سنتات، ليتهافت الشراة في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى في كل الغرب. ها هي إيطاليا كانت السباقة، حين طلبت مهلة ثلاثة أشهر من عدم تطبيق قرارات العقوبات الأوروبية. والمدة ستمدد بالتأكيد، وستلحقها طلبات مهل مماثلة من دول أخرى. قبل أيام وقعت معنا ألمانيا عقداً بـ 305 ملايين يورو لتوسيع محطة الناصرية لتوليد الكهرباء. كل ضغوط العالم لا توازي صمودنا الداخلي، وهذا مضمون ومؤكد ومكرس ويتصلب كل يوم. فكيف بعد انكشاف هجمتهم البربرية، تماماً كما حصل في ساحة العباسيين في دمشق. يوم حاول بعض الأصوليين التسلل من جهة حي جوبر الى منطقة باب توما، لإيقاع مذبحة طائفية ضد المسيحيين. لماذا؟ لا لشيء، إلا إدراكاً منهم لعجزهم، وانتقاماً لفشلهم في فرض الفتنة... سنقاتل حتى آخر رمق، انها حياتنا او موتنا ما يُلعب هنا.
... في العودة من مقاهي الحارات الدمشقية الى الفندق القديم، الحرارة 8 فوق الصفر في الشام. غير أن وجهك ساخن، عروقك تغلي. ثمة نار في دمشق الجميلة تلفح وجنتيك، ويكاد الرماد كله يطير. في زقاق الرسل الأولين، تتذكر الرجاء الأخير، أن يظهر شعاع الروح على كل شاوول يحاول دخول المدينة، عله يهديه، فيُهدي دمشق سلاماً تستحقه.