بدر الديب... مؤرخ الخراب | كُتّاب قلائل هم من يحوزون مكانة بدر الديب في تاريخ الآداب العالمية. العصيان على التصنيف، والإفلات من الانضواء تحت معايير المدارس المختلفة، والحفر العميق بحثاً عن المعنى والقيمة. ويخيل إليّ أنه نوع من «الميتا كاتب»، أي إنه كاتب للكُتّاب، قد لا يثير قارئاً عادياً يستهلك الروايات والشعر، سواء لتزجية الوقت أو بحثاً عن اقتباس يزين به جدران الفايسبوك. عالج الديب كافة الأشكال الأدبية، وكان ــ كما أزعم ــ أول من كتب قصيدة النثر كما نعرفها الآن.


فقد أنجز كتابه الرائد «كتاب حرف الحاء» عام 1946، وبرجاء مراجعة نصوصه كنصّ «بائعة الكبريت»، أو «كيانات النوم» قبل أن نتكلم عن ريادة مجلة «شعر» وبيان أنسي الحاج الشهير، أو حتى عن ثورة الشعر الحرّ وعبد الصبور والسياب ونازك. كتب بدر أيضاً، فضلاً عن دواوينه الشعرية، قصصاً وعدداً قليلاً من الروايات، وأعاد سرد الحكاية الشعبية في «إعادة حاسب كريم الدين»، فضلاً عن عدد من المسرحيات والترجمات. في قصص وروايات بدر الديب، يتحول الحدث إلى أمثولة كونية لا تنعزل عن إطارها التاريخي مع سؤال دائم عن القيمة. الحب ــ الجمال يدفع زمردة أيوب إلى خطيئة بيع الروح للسلطة، وتلقى عقاباً ميتافيزيقياً في انتظار الموت بجوار نافذة عريضة من الزجاج المعشق، ليتحول وجودها إلى أيقونة قبطية بالحجم الطبيعي.


كان أول من كتب
قصيدة النثر كما نعرفها الآن


تلك الرواية القصيرة «أوراق زمردة أيوب»، ظهرت للمرة الأولى ضمن قصص كتاب «حديث شخصي» نحو عام 1990، ثم نشرتها «دار شرقيات» في كتاب منفصل بعد ذلك ببضعة أعوام. يطرح بدر الديب فيها مأزق جيله، وهو الجيل الذي تخرج في الجامعة في الأربعينات وقبيل يوليو 1952 بسنوات قليلة وبطموحات ثقافية رفيعة، ليجد نفسه ضمن الصف الأول، بعد الثورة، من كتيبة السلطة في مؤسسات الثقافة والصحافة. سلطة هي أبعد ما تكون عن طموحاتهم المعرفية.
هذه الصراعية التي أثقلت هذا الجيل، نلمحها أيضاً في أعمال مجايله وصديقه القديم الروائي فتحي غانم في شخصية يوسف مثلاً في رواية «زينب والعرش». لكن فيما تتقدم المعضلة السياسية في عمل غانم (الأكثر تسيّساً بطبعه) تغيم كشبح يخيم من الخارج على الأحداث في عمل بدر الديب المعني بطرح الأسئلة من جذورها الوجودية. تتدرج زمردة في نموها المعرفي، من الجمالي إلى الأخلاقي فالميتافيزيقي، وفقاً لتصور سورن كيركجور، الذي يبدو من كتابات الديب افتتانه المبكر به. واللحظة الأخلاقية هي تلك التي تكتشف فيها ورطتها السياسية، بتدخل من ابنها، لتنتقل بعد ذلك إلى مقارعة العذاب الميتافيزيقي في انتظار الموت. ربما يبدو من الغريب قراءة أعمال بدر الديب في إطار الواقع السياسي لمصر ما بعد يوليو 1952، لكن كان من الغريب أيضاً أن أكتشف في وقت لاحق أن ذلك الكاتب الذي أبهرني، قد تولى رئاسة تحرير جريدة «المساء» التي تصدر عن «دار التحرير» والناطقة بلسان نظام يوليو، لسنوات طويلة، قبل أن يختفي ليظهر في آخر مدينة يمكن أن نتخيله فيها. نعم، في الرياض حيث عمل طوال الشطر الأخير من حياته أستاذاً لعلم المكتبات في إحدى جامعاتها.
هل كان المنفى الاختياري معادلاً موضوعياً لمرض زمردة أيوب القاتل؟ الأكيد أن أعمال بدر الديب ستُقرأ بكامل دهشة الاكتشاف من قِبل الأجيال الجديدة، وسيواصل إلهامه لأجيال وأجيال من الكُتّاب.


«ثلاث رسائل» لبدر الديب