بدر الديب... مؤرخ الخراب | بدر الديب ظاهرة ثقافية وأدبية ذات دلالة. صدرت له أخيراً مجموعة قصصية فريدة هي «حديث شخصي» تحتوي على رواية قصيرة هي «أوراق زمردة أيوب». ثم صدر هذه الأيام كتابان من الشعر الأول هو ديوان «حرف ال ح»، وقد كتبه بدر الديب حوالى 1948 وظل حبيس الأدراج، وقلوب الاصدقاء والمعارف حتى صدر عن «دار المستقبل العربي» عام 1988. أما الكتاب الأخير، فهو «تلال من غروب ـ مقطوعات في الدين والحب والسياسة».

بهذه الكتب الثلاثة المتوالية، فجر بدر الديب طلقة فنية كبيرة ابتعدت باختيارها، ونتيجة لمواقفها الحدية الصعبة، عن مجالات النشر والانتشار، وآثرت ممارسة التفكير والبحث، والنقاش وانشغلت بالتفكير السياسي والاجتماعي والتربوي.
أعماله الفنية قريبة مني جداً، فأنا شقيقه الأصغر، وله مني مكانة الأب والأستاذ، ولتجاربه في الفن والإبداع احترام بالغ وقداسة لما فيها من تجرد وموضوعية ومحاسبة قاسية للنفس. كتب بدر الديب كتاب «حرف ال ح» في شبابه المبكر، وكان غرضه الواضح والمعلن هو ضرورة اتخاذ موقف مختلف من الكتابة. وضرورة تغير العلاقة بين الكاتب والقارئ.
فالكاتب ليس نديماً. ولكنه زائر مزعج. يحمل للمتلقي ما يراه ضرورياً. القراءة ازعاج وتحدّ لا مؤانسة. انصهرت عنده المعارف والاحاسيس الغريبة من قضايا التراث والواقع، لتقديم صرخة شعرية لم يقدر لها أن تسمع في ذلك الحين.
وعلى عكس ما يراه بعض النقاد، فانني أرى أن الذي حال دون انتشار هذه الكتابات هو إرادة صاحبها، وسعيه الدائم الى نوع خاص من الكمال الفني، ورؤيته العميقة لازمة الابداع والتلقي في أدبنا العربي.

يحتوي كتاب «حرف ال ح» على تجارب رائدة في شكل القصة والقصيدة، ويقدم ادباً فكرياً مجسداً يتحدى البلاغيات القديمة، ويشارك في صنع لغة الادب الحديث، واعتقد ان شيوعها وانتشارها ما زال صعباً وعسيراً كما يشق الماء طريقه في الصخر.
ويقول الكاتب نفسه في تقديم كتابه: «أراد الشاب بكل بدنه وبكل ما فيه من حياة مختزنة في لحظة وجوده الفردي أن يخرج من هذا الخضم المتساقط بشيء ممسوك»
قضايا كتاب «حرف ال ح» هي الحب والحرية والفن والموت مدموجة جميعها في موقف حائر شائك ومتطلع، وفي الكتابة تفان مبالغ فيه في التعبير والصياغة.
أما في «تلال من غروب» وبعد أعوام طويلة من معاناة الحياة والتعبير، فإن بدر الديب يقدم صوتاً شعرياً درامياً خاصاً، فيقول في هجاء الحرية:
«من ذا الذي يا صبح يريد شيئاً من الحرية
واذا وجد الانسان نفسه فيها ذات صباح
فكر في ارتكاب الجرائم»
استدارت المعاني في «تلال من غروب»، وأصبحت مقطوعات حسية مباشرة في الدين والحب والسياسة، ودخل الكاتب في الدراما والشك والمعرفة الى قلب الشعر، واتضح في هذا الكتاب أن الدراما الشعرية هي المشروع والحلم، وهي صلب البناء، والمحرك لتجارب الشكل، وأنّ الحوار الدرامي الفكري هو المادة الخام الأساسية للعمل.
ولعل القارئ يذكر المقدمة التي كتبها بدر الديب لديوان صلاح عبد الصبور الاول «الناس في بلادي» التي وصف فيها ازمة الشعر العربي الحديث، وطرح تصوراته للخروج منها. ولعل اهم هذه التصورات هو محاولته لتعريب معنى الدراما الشعري.
في «تلال الغروب»، يكتب بدر الديب شعراً حديثاً وبسيطاً وقريباً الى النفس. تتحدى بساطته الدرامية صعوبة الموضوعات، وتشمل في اقتدار بحار الحب والفكر والدين والسياسة.
يقول في رثاء موجع للشهيدة سناء المحيدلي:
«ابنتي يا ضوءاً يعمي البصر
فتاتي يا كل العزة الممكنة
لقد انت عليك احشائي
ولم يعد هناك نشيد أو سليمان»
الرحلة الطويلة بين «حرف ال ح» و«تلال الغروب». رحلة الأدب الحديث في بحثه الضني عن كمال التعبير.
* روائي مصري
النص من كتابه «عصير الكتب» بإذن من الكاتب (صدر الكتاب عام 2010 حاملاً عنوان العامود الصحافي الشهير الذي كان المؤلف يكتبه على مدار 40 سنة في مجلة «صباح الخير»، متوقفاً عند أبرز الظواهر والإصدارات الثقافية والفنية والإبداعية في مصر)