ترجمة أحمد يماني



نظام العمل اليومي


الاستيقاظ في الساعة التاسعة.
الإفطار، الحمّام، الترتيب العقلي والمنزلي، التمشي؛ حتى الساعة الحادية عشرة.
الاشتغال على عملي الخاص؛ حتى الساعة الثانية والنصف.
الغداء، استراحة قصيرة، قراءة صحف اليوم والأيام السابقة (من 6 إلى 8)؛ حتى الساعة الخامسة.
من الخامسة إلى السابعة: يوم للترجمة وطباعتها وآخر لإرسال الكتب وترتيب المكتبة.
التنزه في الساعة السابعة والنصف (حديقة الريتيرو، زيارات، مكتبات، شوارع ، إلخ.)
العشاء في التاسعة والنصف. لغات وقراءة حتى الثانية عشرة.
أيام الخميس بعد الظهر وبعد قراءة الجرائد، طُرود إلى أمي وأخي.
أيام الأحد: صباحاً، رسائل؛ بعد الظهر، رسائل إلى أمي وأخي.

عاهرات

كان أصدقائي معتادين الذهاب إلى بيوت العاهرات في وِلْبة وإشبيلية ومدريد. كانت لدى إشبيلية تلك الحياة الليلية بشكل يومي. لم أكن أشعر بأدنى تأثر تجاه تلك الفتيات، الشابات الأكبر أو الأصغر سنّاً، الشقراوات أو السمراوات، اللواتي كن يُقَبِّلْنني ويسألنني متى سأذهب لرؤيتهن. لأنني كنت مولعاً بالعينين الخضراوين لأخت صديق لي، بالذراع غير اللامعة للسوبرانو الإيطالية، بفارسة السيرك. كل ما هو مستحيل وغير محتمل.

لقد وقعت أحياناً في شرك ألا أكون أقل أمامهن وأمام ذلك، أمامهن معهم وأمامهم معهن.
كنت أفكر وأظنّ أن لدى تلك الفتيات حساسية سرية لم يمسسها أحد.
وإذا ذهبت، من أجل مصاحبة أصدقائي، فإنني أبحث عن أكثر الفتيات تعاسة وأكثرهن رقة وأتحدث معها عن بيتها وقريتها وعن حياتها. أعطتني بعضهن سرّاً قبلةً صديقة محبة ومنزهة عن الغرض. (...) أما المجونيات (وعلاقات غرامية بعينها) قبل عام 1916، فسوف أكتب عنها ولكن لن تُنشر الآن بل بعد وفاتي، احتراماً لزنوبيا.

الصوفي والصعاليك

لم أكن أذهب إلى بيوت العاهرات ولم أكن أتفوّه بكلمات غليظة مثل «الرجال» ولم أكن أصاحب «بالضرورة» مصارعي الثيران ولا المغنيات.
على ضوء ذلك كنت مزعجاً للصعاليك، كانوا يقولون عني إنني متصوف وقرروا أنهم هم «الرجال» وأنا آنسة، طفلة، السيدة شِعْر، إلخ. وكي يصلوا إلى ذلك، فقد فعلوا كل ما في وسعهم، من كاريكاتير مبتذل وأغنية رخيصة، كي يطيحوني.
أعطيتهم نموذجاً للرِّفعة وكانوا يضحكون. ولهذا فإن ساليناس وغيين (لوركا) وألبرتي وللأسف بيرغامين 2 تحولوا وحولوا الآخرين ضدي.
قرر الأكثر نفاقاً من بينهم أنني طهراني، أسوأ من صوفي. كانت المسألة، كما في النازية، أن يبرروا مصالحهم؛ وقرروا أن الصعلكة لهي أكثر إسبانية. وكلهم معاً أفرطوا في الصعلكة كمكان لإلهامهم وتوجههم.
أرادوا أن يشيدوا بي. لكن في الواقع فإن ما كانوا يفعلونه معي لهو حلٌ هزلي. فعلى حدّ قولهم أمثل أنا «الروح»، وبالطبع لم يكن متاحاً لهم أن يعتمدوا عليّ في «أشياء بعينها» كانوا هم بحاجة إليها مراراً وتكراراً.

موت ماما بورا

شفافة، كشمع بارد، هناك تذهبين ماما بورا، ملفوفة كلك بالياسمين، إلى حبك الجديد...
أنتَ تنتظرها بلحيتك النابتة في وجهك المحنط.
كنت أودّ لو أدفنها كما يجب، لكن لا يمكن أن تعرف أبداً ما يحدث في مثل هذه الحالات. نعم، كنت لآمر أن يكون القبر أوسع وأطول، كان أبواي سيبقيان معاً وفي الاتجاه ذاته وليس على مستوى بالغ العمق. لكنني أمرت بجعل القبر بعمق ثلاثة أمتار وبعرض متر واحد بالكيفية التي ينظر فيها أبي إلى الجنوب وأمي إلى الشمال. بالطبع، هي هكذا تنظر إلى هنا، إلى مدريد، إليّ. أرغب في بناء القبر بشكل فني وبمواد من «موغير». طوب وجير وحديد مطاوع وأُصُص بزهور الجيرانيوم ونباتات متسلقة... وعند رأس القبر شجرة سرو من «فوينتيبينيا».
النقش على الشاهد بلا زخرفة: بيكتور وبورا

أتون الكتابة
ثلاثون عاماً من أعوامي الخمسة والأربعين قضيتها في أتون الكتابة، بضبط الشهوة الذي في كل مرحلة من مراحل حياتي ألزمني به بشكل أو بآخر ضميري الحي ومشاعري وخيالاتي وأفكاري ــ كما لو أن أنانية امتلاك كل ذلك بالكامل لم تكن كافية وأكثر، بالنسبة إلي، وكما لو أن الشِّعْرَ المكتوب يهم أحداً.

الحياة... أن تحيا

في كثير من الأحيان فإن مَنْ يكتبون عني، أعني، ضدي، يرمونني في وجهي بأنني لم أعش. أتذكر سطور ستندال في روما: «إنه يوم جميل عاينت فيه غروب الشمس من سان بيدرو»، إلخ. أشياء من هذا القبيل هي ما أقوم به كل يوم: أعشق امرأة، أخرج إلى الطبيعة، الحقل، البحر، الحديقة، الساحة، أتمشى في الشوارع، أقرأ، أشاهد لوحات، أستمع إلى الموسيقى، أسافر على قدر الإمكان، وأعرف أنه يمكنني أن أكون وحدي وقتما أشاء. لا أذهب إلى المقاهي، ولا إلى حلبات الثيران أو إلى بيوت العاهرات ليس بسبب (...) ولكن لأنني لا أرغب. إذا كان س من الناس يفضل المقهى على الموسيقى، فأنا أُفَضِّل (...) على بيوت العاهرات. هل هذه هي الحياة؟ يقال إن س قد عاش. أنا أعرف حياته. يصحو، لا يغتسل، يفطر، يذهب في تمشية في طريقه إلى الدرس، يذهب إلى المقهى (ثلاث ساعات)، إحدى العاهرات، يتناول طعام العشاء وينام، لا يغتسل.

سعيد بعمل حياتي

إنني سعيد بعمل حياتي وأعتقد أن لدى إسبانيا أخيراً شاعراً كاملاً يمكنه أن يوحّد الجميع. دعونا نرَ الآن، كم من قرون ستمر قبل أن يأتي إسباني آخر كي يقف إلى جانبي. ليس هذا فخراً بل بهجة. لست أنا من يتباهى بنفسه، بل أنا من ضحى وعاقب وأثار أناه الأخرى التي أنجزت تلك الأعمال.
والآن، أيها الموت، لتأتِ من أجل عظامي. الآن، أيتها القرون لتأتي ضد شِعري.

* خوان رامون خيمينيث (1881ــ 1958)، شاعر إسبانيا الكبير والحائز «جائزة نوبل» عام 1956. ولد، كما يحكي عن نفسه، لأب قشتالي ذي عينين زرقاوين وأم أندلسية بعينين سوداوين. الأب بيكتور والأم بورا. «كان من أكثر رجالات عصره تعاسة وعذاباً، رغم كونه واحداً من أعظمهم»، هكذا يصفه الشاعر والناقد الإسباني أندريس ترابيّو. المقاطع السابقة مأخوذة من سيرته الذاتية «حياة».