لم يكلف زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك، مترجما كتاب «ما السياسة» (منشورات الاختلاف ــ منشورات ضفاف) لحنة أرندت (1906 ــ 1975) نفسيهما بكتابة تقديم، ولو بسيط، للكتاب رغم أهميته العلمية والتثقيفية، وكذلك مكانة صاحبة «أصول الشمولية» كواحدة من أهم المنظرين السياسيين في العالم. في كتابها «ما السياسة»، لا تحاول للكاتبة والفيلسوفية الألمانية ضبط مفهوم للسياسة عبر الموروث الإنساني منذ أرسطو، بل تقدم جواباً موجزاً في كلمة «الحرية». من هذا التعريف، تنطلق ارندت بإصرار على أن الهدف الأول الأخير للسياسة هو حرية البشر. هنا يظهر اشتغال أرندت على «المجموعة» ككيان يحدد صيرورة المجتمعات والدول، لهذا تجدها لا تحبذ الحديث عن الانسان كوحدة مستقلة، مفضلة «البشر» كشكل تنظيمي، يمكن بواسطته ومن خلاله أن تملك السياسة ما هيتها.


الإنسان بالنسبة لحنة أرندت كائن غير سياسي، لكن فطرته الاجتماعية، وميله الطبيعي إلى العيش في كنف مجموعة ما، يطلق عليها «بشر»، سمحت لـ «السياسة» بأن تملك مدلولاً تنظيمياً في البداية.
قد يعني هذا المدلول طريقة تعايش ما، لكن الصفة «التنظيمية» ليست غاية السياسة، لأنها مهما اختلفت، فإن لها ماهية واحدة وغاية وحيدة هي الحرية. في سبيل وصولها إلى هذه النتيجة التي أعلنت عنها منذ الصفحات الأولى للكتاب، لم تخف أرندت من خلال أمثلتها وتحليلها ميلها وتفضيلها المطلق للمثالية الأدبية في فهم ظاهرة السياسة.


سمحت هيمنة الأفكار المسبقة عن «السياسة» بتواجد الأنظمة الشمولية

لقد استعانت بأمثلة من الواقع، ولكن لدحض الواقعية السياسية التي لا تطابق الحرية في السياسة ولا تجعل من الحرية غاية مباشرة للسياسة، كما أنها تعمد إلى التفكير في الإنسان كسبيل وحيد للتفكير في «البشر». هنا تظهر الاختلافات المنهجية لأرندت ومجايليها في قراءة ظاهرة السياسة، حتى أنها تختلف عن رؤية برنارد لازار، على اعتبار أنه كان براغماتياً يوجه قناعاته بحسب الواقع، مثلما حدث حين غيّر موقفه بالنسبة للمسألة اليهودية بعد قضية دريفوس الشهيرة. هذا الاختلاف دفع بأرندت إلى أن تشمل كتابها بفصل مثير هو «الأحكام المسبقة» التي قصدت منها ما تعارف الناس على تسميته بالسياسة: «السياسة في عمقها نسيج من الأكاذيب ودجل في خدمة مصالح دنيئة وإيديولوجيا أكثر دناءة». أما ما تم التعارف على تسميته سياسة خارجية فهو «التأرجح بين «البروباغندا» أي الدعاية الخالصة والعنف الوحشي».
في هذا، ترى أرندت أن هذه الأحكام المسبقة هي على الأقل قديمة قدم الديمقراطية البرلمانية التي طمحت إلى تمثيل الشعب للمرة الأولى في التاريخ. أما السياسة الخارجية، فإن انبثاقها يمثل حدثاً خلال العشريات الأولى للتوسع الإمبريالي، حين بدأت الدول القومية تطمح إلى ترسيخ الهيمنة الأوروبية على الأرض كاملة. وهذا ليس بناء على طلب من الأمة لكن بناء على مصالح اقتصادية وطنية. تعتقد ارندت أن هيمنة الأفكار المسبقة عن «السياسة» على التفكير السياسي هو ما سمح بحالة الانحطاط الذي تعرفه الأمم. لقد سمحت بوجود الأنظمة الشمولية، وتنامي ظاهرة العنف والإرهاب، وهي السبب المباشر في انتصار السياسة الواقعية في التأسيس للفكر الصهيوني التي لا تنفي انتماءها إليه، على اعتبار أنها «وضعت كل طاقتها وموهبتها في خدمة المنظمات اليهودية العاملة في نيويورك، التي أخذت على عاتقها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من يهود أوروبا والعمل على إقامة وطن لليهود على أرض فلسطين التاريخية». لكنها انفصلت عن هذه المنظمات لاحقاً، وبدأ هذا الابتعاد إبان الخلاف الذي نشب داخل الحركة الصهيونية حول التحالفات التي يمكن عقدها بين ما أُطلِقَ عليه أنصار «الواقعية السياسية» (هرتزل) وأنصار «المثالية الأدبية» (ب. لازار). وقفت أرندت بجانب الأخير، لأن السياسة الواقعية الوحيدة تنحصر في سياسة تحالف مع الشعوب المتوسِّطية الأخرى التي تعزز الوضع المحلِّي اليهودي في فلسطين التي تؤمِّن تعاطفاً حقيقياً مع الجيران. ورأت أرندت أن أحد مصادر العمى الصهيوني الخاص بما تسميه «المسألة العربية» يكمن في الاتجاه نحو الواقعية السياسية، أي الاندراج في لعبة القوى العظمى.
وفق هذا المنظور، تعتقد أرندت أن «الأفكار المسبقة» عن السياسة، غريبة تماماً عن السياسة، ما دامت لم تحفظ لهذه الأخيرة ماهيتها المتمثلة في الحرية. لا يمكن للأنظمة الشمولية أن تنبثق في بيئات تشتغل على السياسة بوصفها «حرية»، بل هي أنظمة تسعى إلى تكريس الأفكار المسبقة عن السياسة بوجهيها: الداخلي بمعنى الكذب، والخارجي بمعنى العنف. لذلك تدعو الكاتبة إلى إدراك خطورة هذه النظم، والأهم خطورة الاعتقاد بأنها أصبحت تنتمي إلى الماضي.
وأكدت أرندت على التحدي الذي تثيره هذه الإيديولوجيات باعتبارها «تشكل انبثاقاً لظاهرة جديدة جذرياً تجبر كل الباحثين على القيام بمراجعة كاملة لأدوات التحليل العلمي المعهودة، إضافة إلى أنها انعطافة نكوصية لم يشهدها تاريخ الفكر الأوروبي قبل ذلك». وعلى هذا النحو، توضح آرندت أن «الأصالة المرعبة للشمولية لا تنشأ عن أن فكرة جديدة جاءت إلى العالم، وإنما على شرخ جديد سحق كل مقولاتنا السياسية وكل مقاييسنا الخاصة بالحكم الأخلاقي. فجبروت الحدث يتفوق هنا على المفهوم». ورغم فاشية الجوهر الإيديولوجي للنازية والستالينية، إلا أن السمة الشمولية تظهر جلياً في هدف هذه الأنظمة، الذي لا يقتصر على الاستيلاء على السلطة فحسب، بل يمتد ليشمل «كل المجتمع ويجسد التماثل الكامل بين الحزب الحاكم والدولة».
استعانت الكاتبة بفصول متصادمة ومتكاملة أيضاً، لتمكن القارئ من الوقوف عند نتيجتها الأولى والأخيرة في ما يتعلق بأن السياسة هي الحرية. تطرح في البداية سؤالاً مباشراً «ماهي السياسة؟»، ثم تقدم ما عنونته «مقدمة في السياسة» حيث تخوض في مسألة الأفكار المسبقة، وعلاقة الأحكام المسبقة بالحكم، ثم تعنون فصلاً آخر»هل لا زال للسياسة من معنى؟»، ثم فصلاً جديداً بعنوان «معنى السياسة» وهكذا... إلى أن تكتب: «هل لا زال للسياسة من معنى في النهاية؟».
تعتقد أرندت، أن تعريفها للسياسة على أنها الحرية، يبقى صامداً حتى في خضم الحروب وتحت وطأة الحكم الشمولي وفي حالات العنف والدمار والإرهاب. صحيح أن العنف مثلاً يتعارض جوهرياً مع السياسة بل يقصيها ويغيبها تماماً، ولكنه لا يمكن أن يقمع الشعور بضرورتها ولا يستطيع اجتثاث الحرية من جذورها وإلى الأبد. هذا ما يبرر رغبة الشعوب دوماً للتحرر واستمرارها في الاعتقاد بالثورة مهما طال الزمن، وهو ما يؤكده التاريخ بالنسبة لأفول الأنظمة الشمولية. مع ذلك، لا تخفي الكاتبة تشاؤمها: «أي شخص يبدأ اليوم التفكير في السياسة يواجه حتماً هذا السؤال: «هل ما زال للسياسة في النهاية من معنى»؟