قبيل حفل توقيع روايتي «أن تحبك جيهان»، التي صدرت أخيراً في مبنى «الجريك كامبس» (الجامعة الأميركية)، وأنا اتفقد القاعة التي سيقام فيها الحفل انتابني قلق كبير، أن ترى 250 مقعداً شاغراً كوليمة ضخمة في انتظار أهل بلدة ما. كنت متخوفاً من ألّا يمتلئ نصف القاعة أو ربعها، فالندوات الأدبية وحفلات التوقيع ثقيلة على قلوب القراء، والجو شديد الحرارة، وأغلب المتابعين في المصايف داخل البلاد أو خارجها، ومكان الاحتفال في قلب «ميدان التحرير»، حيث الازدحام والفوضى المرورية وتكدس الكاراجات، فلا سبيل لركن السيارات إلا في الشوارع الجانبية. وندمت لحظة على اصراري على أن يكون التوقيع في هذا المكان الرحب، ورفضي إقامته في مقر دار النشر، متذرعاً بأن قاعتها لا تتسع لغير 100 شخص، وكان في هذا رهان كبير، لكن لم تمض فترة زمنية قصيرة إلا بدأت الوفود تأتي حاملة معها الطمأنينة. وعند بداية الحفل، وجدت القاعة قد امتلأت بالمحبين، واحتشدت بالواقفين بين الطرقات وأمام أبوابها يدخنون في انتظار الدخول.


لقد كسبت رهاناً على المحبة بوجود هذا الكم الكبير من القراء والزملاء الأدباء والصحافيين والفنانين السينمائيين؛ وقد همس في أذني صديق روائي من الجيل اللاحق أنه حمد الله على حضوره ليرى مكافأة عظيمة من مكافآت الكتابة. في الوقت ذاته، أعادتني هذه اللحظات إلى منظر بائس حدث لي في بداية حياتي الأدبية، كاد أن ينهي علاقتي نهائياً بالأدب، وأنا أتهادى فوق «عريش» سيارة نصف نقل، وبجواري نسخ مجموعتي القصصية الأولى «الركض وراء الضوء» الـ 1000، التي كنت قد طبعتها بمعاونة من اصدقائي وبدعم من الجامعة. وأصر صاحب المطبعة وقتها على أن أحملها إلى البيت، لأن مطبعته ليست مخزناً، واستدعى هذه السيارة المعطوبة لتقلنا مع الكتب، ووقعت كما يقول العرب في «حيص بيص». فالأهل كانوا يرون أني أضيع وقتي في الكتابة وأهمل دروسي، ولم يكفوا عن تثبيطي إلا بعدما استلمت «شيك» بالدولار من مجلة «ماجد» عن قصص كتبتها للأطفال.
لحظتها، طلبوا مني تصوير «الشيك» قبل صرفه لأني لن أحصل على واحد آخر من الكتابة لأن الأمر بمثابة الصدفة، أو أنهم يجرّون رجلي كي أهمل دراستي ثم سيتركونني عندما اعتمد عليهم! كأنهم سيجرون رجلي إلى الرذيلة! وبالتالي لم أكن قد أخبرتهم بطبع المجموعة على حسابي، فكيف أدخل عليهم بهذه البلوى؟ قررت الذهاب بالكتب إلى صديق للعائلة أكثر تفتحاً وطلبت منه تخزينها بصفة مؤقتة حتى أوزعها على المكتبات وباعة الصحف، وأكدت له أنها ستنفد خلال أيام. ونمت تملأني الأحلام بأنني على أهبة الشهرة وسأقتص ممن كان يسخر من فكرة أنني سأصبح أديباً، وأولهم عائلتي بالطبع. وكذلك استعدت بدايتي كشاعر وأنا في أولى مراحلي الجامعية، وكيف استقبل زملاء الجامعة وخاصة الفتيات أشعاري، وكيف أحبّوها، وكانوا يستوقفونني كي يصافحوني أو يطلبوا مني القاء قصيدة، وكيف تطور الأمر بالمشاركة في ندوات شعرية داخل الجامعة، على هوامش الاحتفال بكبار الشعراء كالأبنودي، أحمد فؤاد نجم، وغيرهما، وكيف استحسن الطلبة شعري وكانوا يطالبونني بإصدار ديوان. وفي تلك اللحظة، قادتني قدماي تجاه المثلث الذهبي في وسط البلد، الذي يضم أهم شعراء وكتّاب مصر المستقلين، وهذا المثلث كان عبارة عن أماكن ثلاثة هي: مقهى «علي بابا»، ومقهى «استرا» الذي يجاوره، وأمامهما مقهى «ايزافتيش». هناك التقيت كثيرا من هؤلاء المثقفين العمالقة أمثال نجيب سرور، والقاص يحيى الطاهر عبد الله، وجمال الغيطاني، والمسرحي محمد عرنوس، والشاعر الكبير أمل دنقل، والمغني والملحن محمد نوح، والكثير من شباب السينما والمسرح، وبعض الأدباء الشبان أيامها كيوسف أبو رية والفنان التشكيلي صلاح عناني.


تعرفت شخصيا إلى القاص
يحيى عبد الله الذي دعمني جداً. وعندما قدمت إليه محاولاتي السردية الأولى، أثنى جداً عليها
بسرعة أصبحت حياتي مزدوجة: طالب جامعي نهاراً، ومثقف ليلاً، وقد أفادتني الندوات الشعرية والقصصية ونماذج الأعمال الدرامية التي كانت تقدم في هذه الأمكنة، وأثرت في حياتي وأثرتها، وأنا مدين بالفضل لها حتى الآن. وقد تعرفت شخصيا إلى القاص يحيى عبد الله، الذي دعمني جداً. وعندما قدمت إليه محاولاتي السردية الأولى، أثنى جداً عليها، ما جعلني أتخصص في القصة القصيرة والرواية، بعدما كنتُ في سنتي الأخيرة قد صرفت النظر عن الشعر؛ عندما قيمّت محاولاتي الشاعرية بأمانة وحيادية، ووجدت أنني لن أقدم جديداً في مجال الشعر، وأن آفاق السرد أوسع أمامي، برغم أنني كنت قد حصلت أيامها على لقب «شاعر الجامعة». كذلك، تعرفت إلى الفنان التشكيلي صلاح عناني، الذي رسم قصص الأطفال التي كنت أكتبها، وأرسلها إلى مجلة «ماجد»، والذي تسبب في حصولي على أول أجر من الأدب.
لذا أن مدين للأطفال حتى الآن، وأكتب لهم كل فترة عملاً معترفاً بفضلهم. وفي سنتي النهائية في الجامعة، قررت أن أنشر مجموعتي القصصية الأولى بغلاف اهداء من الفنان صلاح عناني، ولم يتحمس أحد لنشرها بالطبع، وكان السائد أيامها أن تطبع على حسابك في أي مطبعة وتوزع كتبك بنفسك. اتجهت فعلاً إلى مطبعة وكان المطلوب مبلغ كبير هو 200 جنيه. جمعت مدخراتي مع بعض مساهمات الأصدقاء، لكن المبلغ لم يكتمل، وكان رئيس «اتحاد طلبة كلية التجارة» من أصدقائي، ووجد بنداً يتيح مساهمة الكلية في إبداع ابنائها بشرط إيداع هذا الابداع في مكتبة الكلية. وفعلاً كتب معي عقداً لشراء 200 نسخة لمكتبة الكلية نظير مئة جنيه، وحصلت على الشيك وخرج الكتاب. وبعدما خزنته عند صديقي، سحبت 200 نسخة من المخزون واتجهت بها إلى الكلية لإيداعها في المكتبة، لكن صديقي رئيس الاتحاد اتهمني بالغفلة لأني أحضرت كل هذه الكمية وطلب مني إيداع 10 نسخ فقط لأن الطلبة في اعتقاده سيمزقونها وأنا أولى بها، ورجعت بالباقي.
ثم درت على المكتبات وباعة الصحف ووزعت الكتاب، وكل دورة زمنية أذهب إليهم للتحصيل، لكني لم أحصّل شيئاً بذرائع مختلفة، أنه لم يبَع منها نسخة واحدة. وعندما أطالبهم بالنسخ التي لم تبع، يخبرونني أنها في المخزن، ويعدونني بالحصول عليها في الأسبوع المقبل وهكذا. كانت هذه التجربة من أقسى ما مرّ بي في سني الصغيرة، وكادت أن تودي بحياتي الأدبية، وخاصة بعدما استطعت ارجاع بعض النسخ وخزنتها في «البالي»، وكانت السخرية تنهال فوق رأسي يومياً، الذي بكيته أيامها. ولم أكتشف جفاف هذه التجربة إلا في حفل توقيع روايتي الأخيرة.