قبل أيام أصدرت إحدى المحاكم اللبنانية حكماً قضى بإنزال عقوبة السجن ستة أشهر، بحق سياسي لبناني تناول في حديث صحفي له، مدينة مكة، مهدداً. صحيح أنه في النتيجة النهائية، لجأ قضاة المحكمة المقصودة إلى حق التقدير في تخفيف الحكم واستبداله من سجن إلى غرامة. لكن المبدأ يظل هو هو، أن الكلمة الإعلامية أو السياسية عندنا، بات يمكن لها أن تقابل بقرار قضائي قانوني بنزع الحرية عن قائلها. وهو ما يجب التوقف عنده، إن كنا لا نزال نعيش ونحيا ونتنفس في لبنان.

ليس المقصود ههنا قطعاً الدفاع عن السياسي المعني. ولا تأييد ما ذهب إليه في كلامه إطلاقاً. لكن التدقيق في ما صدر عن هيئة قضائية لبنانية، يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات، فضلاً عن القلق وما قد يكون أكثر من القلق. ففي وقائع القضية أن الكلام الذي صار موضوع محاكمتها، أطلق في سياق سياسي بحت. وهو جاء في إطار مجازي. وبالتالي فالثابت لأي صاحب منطق سليم، أن تناول مكة لم يكن كلاماً دينياً أولاً. ولم يعن التهديد باستهدافها فعلياً ثانياً. كان مجرد صياغة لغوية، بالمعنى الذي تعرفه تماماً هذه اللغة العربية، في تطابق جذر كلماتها الثلاث، بين الإبلاغ والبلاغة والمبالغة. كأنما إتيمولوجيتها أو فيلولوجيتها، زرعتا في وجدان الناطقين بها، أنه كلما أردتم إبلاغ رسالة أو مضمون ما، ببلاغة، عليكم أن تبالغوا! ومبالغاتنا في اللغة والمضمون قاعدة عندنا، لا استثناء فيها.
المهم أن قضاة لبنانيين رأوا في تلك المبالغة مخالفة للقانون اللبناني. وجزموا أن فيها جرماً يستحق العقاب. كان يمكن للحكم الصادر أن يلجأ إلى مفاهيم حديثة عصرية في رسم ضوابط حرية التعبير وحدود الحق في الإعلام. كأن يروا في تلك العبارة التي أطلقها السياسي، نوعاً من "الحض على الكراهية الجماعية". وهي مخالفة يفهمها عالم العدالة الدولية اليوم. أو كان يمكن لهم أن يصنفوها ضمن باب "التحريض على العنف". وهو أمر آخر قابل للاندراج ضمن الفلسفة الراهنة للقانون الإنساني الدولي. غير أن القضاة لم يلجأوا إلى حيثيات منطقية كهذه. بل ذهبوا مباشرة إلى الارتكاز على العامل الديني الضيق البحت. والقول أن تناول مكة، كمدينة مقدسة، بحسب حكمهم، هو "من باب التحقير والازدراء بالشعائر الدينية".
إن جزئية هذا النص في حكم قضائي، تفرض علينا جميعاً كمواطنين لبنانيين خاضعين للقانون اللبناني، أن نسأل القضاة، لا بل القضاء، أو حتى دولتنا اللبنانية، أن يحددوا لنا فوراً وبشكل واضح وشامل، مفهومين اثنين استند إليهما هذا النص: ثانياً، ما هو التعريف القانوني للشعيرة الدينية؟ وأولاً وقبلاً، ما هو الدين قانوناً ودستوراً عندنا؟ أما الركون بشكل تبسيطي ساذج إلى عبارة الدستور في مادته التاسعة، من أن "حرية الاعتقاد مطلقة، والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى، تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام"، فما هو إلا هروب سخيف إلى الوراء، أو إلى المراوحة في أفضل التشخيصات. ذلك أن الدستور نفسه يؤكد في مقدمته أن لبنان "ملتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وهو الإعلان الذي يتناقض مع معظم المنظومات الدينية وفقهها الانغلاقي وتشريعاتها الحصرية. إشكالية يعجز عنها هذا البلد. بكل من وما فيه من أفراد ومؤسسات عن مقاربتها الآن. كما لا يفهمها معظم سياسييه الغارقين في النفايات. فلماذا زجه فيها ــــ قضائياً وقانونياً ــــ وسط مآسيه ونكباته الراهنة؟
ثم إن المسألة لم تعد تتعلق بالقضية المذكورة وحدها. بل صارت نمطاً سائداً ونهجاً طاغياً. أن يجتاح الديني، بمعناه التكفيري، كل حياتنا العامة. هنا حكم قضائي حول تناول مدينة. قبله منع لأغنية بتهمة تطاول على "الذات الإلهية"! قبل الاثنين إملاءات بالجملة من مؤسسات دينية على البنيات الدولتية، لقمع تعبير فني هنا أو نص مسرحي هناك أو مشهد من فيلم أجنبي هنالك أو كتاب أو حتى هواء. ثمة شيء من عفن محاكم التفتيش القرونسطية، أو من سكاكين داعش الترهيبية، يتسلل شيئاً فشيئاً إلى رئتي فضائنا العام. ثمة الكثير من دوغماتية الدولة الدينية المتخلفة، ومن التيوقراطية المفترسة لحياتنا الخاصة والعامة على السواء، يجتاح ثقافتنا ووجداننا وسلوكياتنا والبراكسيس اليومي، أي تصرفاتنا العادية في كل تفصيلاتها ودقائقها. ليست المسألة سعياً إلى إخراج "المقدس" من المجتمع. وهذا وهم جربته يوطوبيات كثيرة في القرون الماضية، حتى نهاية العشرين. قبل أن تدرك فشلها فيه، وتدمغ انكساراتها أمام "المقدس" بالكثير من الدماء والقمع والعنف. كل المطلوب، ألا يلغي المقدس اليوم ما هو دنيوي في حياتنا. والأهم، ألا تعود المؤسسة الدينية إلى مساكنتها السفاحية مع مؤسسة الدولة، فينجبا مسوخاً، ها هو بعض الشرق مرهق بها، ويكاد يزهق تحتها.
في الخلاصة، لقد ثبت عبر تاريخ البشر، أن أحداً لا يمكنه أن يقتل السماء. كل ما نريده ألا يسعى أحد إلى قتل أرضنا بذرائع سماوية... أو جهنمية.