الدولة التي لم تستطع حتى الآن ايجاد حل لمسألة النفايات طوال الفترة الماضية، استطاعت بين ليلة وضحاها أن تضع بوابات حديدية وزجاجية مكهربة عند جميع المداخل المؤدية الى المجلس النيابي، اضافة الى استقدام أعداد مهولة من الدرك والفهود ومكافحة الشغب، والجيش اللبناني وشرطة المجلس النيابي ومخابرات الجيش وفرع المعلومات، والأسلاك الشائكة وآليات عسكرية و ...، حتى بات المرء يتشعر كأنهم يستعدون لصد هجوم ارهابي محتمل على المجلس النيابي. وقد علّق أحد المعتصمين ساخرا من أعداد العناصر الامنيين قائلا «اذا كل هيدول كلن هون مين في عل جبهة؟».


لم تمر دقائق على بدء تحرك «طلعت ريحتكم» عند الساعة السادسة مساء، وبعدما طلب المتظاهرون من القوى الامنية فتح الطريق المؤدية الى شارع المصارف، حتى بادر عناصر مكافحة الشغب الى ضرب المعتصمين بالهراوات، وإلى إبعادهم بالقوة عن المدخل المؤدي الى شارع المصارف، المدخل الوحيد الذي خلا من الأسلاك الشائكة والجدران الحديدية والزجاجية. وبعد ذلك فُتحت خراطيم المياه بوجه الحشود، التي غطت بالكامل الطريق من ساحة رياض الصلح حتى جامع محمد الأمين في ساحة الشهداء، وضمت ممثلين وفنانين ونقابيين وكافة شرائح المجتمع، وقد قدّر عددها بالالاف. الضرب بالعصي، واستعمال خراطيم المياه لم ينجحا بابعاد المعتصمين أو تفريقهم، هؤلاء صرخوا «ثورة ثورة» و «الشعب يريد اسقاط النظام»، فأقدم العناصر الأمنيون وعناصر الجيش اللبناني على رمي قنابل مسيلّة للدموع بكثافة وبطريقة عشوائية، ما أدى الى وقوع اصابات في صفوف المتظاهرين، ولم تسلم امهات ولا أطفالهن من تشبيح القوى الأمنية، ولم يسلم مراسلو الوسائل الاعلامية من الضرب وقنابل الغاز.
يبدو أن هناك أمرا مسبقا أعطاه احد الأجهزة الأمنية باستخدام القوة المفرطة مع المتظاهرين، حيث أطلقت شرطة المجلس والجيش اللبناني عليهم الرصاص المطاطي والرصاص الحي. ولم يلتزم العناصر الامنيون أماكنهم وصفوفهم المحاذية للسرايا الحكومية ولمداخل المجلس النيابي، بل لاحقوا المواطنين في شوارع وأزقة وسط المدينة، ولكن برغم سقوط أكثر من 60 جريحا في صفوف المتظاهرين، أحدهم في حالة حرجة، لم يخف الناس من الرصاص الحي، وعادوا الى ساحة رياض الصلح مطالبين باسقاط حكومة تمام سلام وباستقالة النواب، بعدما استخدمت السلطة السياسية كل وسائلها الهمجية والمتوحشة دون أن تنجح في تحقيق مآربها بمنع كرة الثلج المناهضة للنظام من أن تكبر، اذ اختفى كل عناصر الجيش اللبناني من محيط ساحة رياض الصلح، بعد تصريح وزير الداخلية نهاد المشنوق بأنه لم يعطِ أي أوامر باطلاق النار على المتظاهرين، وتراجع العناصر الأمنيون بمختلف أجهزتهم حتى حدود السرايا الحكومية ومداخل ساحة النجمة، وعاد المعتصمون الى ساحة رياض الصلح، التي نصبوا فيها الخيم، معلنين الاستمرار في حراكهم.
كرة الثلج قد تكبر، فالحراك بدأ يطاول شرائح واسعة من المجتمع، بعدما استعاد الناس الامل بان التغيير الحقيقي يمكن أن يتحقق عبر التظاهر واسقاط هذه السلطة السياسية في الشارع.