زياد بارود

أن تكون النفايات تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير، لا يلغي أن الحِمل تراكم حتى بات لا يُحتمل وباتت تنوء به أكتاف الناس التي سيقت إلى الذبح كالحَمَل. لقد كان الذبح طويل الأمد، زبائنياً، انتخابياً، سلطوياً، وبمكوِّناتٍ غالباً ما كانت منتهية الصلاحية وتفوح منها رائحة الفساد وعفَن السياسة الصغيرة في زواريب المصالح الضيّقة. «طلعت ريحتكم»: كأنّ العنوان دفينٌ في لاوعينا الوطني، وكأنّ شباب الحملة، في يقظةٍ هادفة، حملوا إلى العلن شكوى الناس الطيّبين المغلوب على مواطنيتهم، لتكون بمثابة تعرية لطبقة سياسية عفنة، وقحة، متعالية، مصلحية، منكوبة بحالها، ناكبة للبلد، لم تقرأ في كتب التاريخ (ولاسيما حديثها الذي لم يجفّ حبره بعد) أن الشرعية الشعبية تُسقط هالاتٍ معظّمة وترفع الناس إلى مصافّ السيادة.

ما حقّقته الحملة حتى الآن لافتٌ فعلاً في شقّين على الأقل. فلقد أظهرت للعلن، أوّلاً، كم أن الشعب يمقت معظم سياسييه. هو الشعب كشف صغائرهم وقطبهم المخفية، وهو الشعب تبرّأ منهم، وهو الشعب اليوم يقول لهم الحقيقة المرّة بروائحها الكثيرة: السلطة التي حكمت البلد هي سلطة عاجزة (باعتراف مسؤولين فيها) وهي سلطة فاسدة (باعتراف زعامات فيها) وهي سلطة غير كفوءة (باعتراف ملفّاتها الناطقة بذاتها) وهي سلطة راهنت وتراهن على تعب الناس وقرفهم واستقالتهم. أعترف بأنّ حملة «طلعت ريحتكم» حوّلت قرف الناس، الذي لطالما راهنت عليه السلطة، إلى يقظة وانتفاضة شعبية. بين ساحة رياض الصلح والمساحة الشعبية الممتدة إلى بيوت الشرعية الحقيقية، بيوت الناس، سقطت أسلاك شائكة كثيرة. هي ليست تلك التي تفصل بين الناس و»هيبة» دولتهم الفاشلة التي تحوّلت إلى خيبة. هي أسلاك العقود المتداخلة التي فصلت بين ما يستحقّه اللبنانيون واللبنانيات وما يحصلون عليه، من الخدمات إلى الزعامات وما بينهما من مآسٍ!
أما الخرق الثاني الذي حققته الحملة حتى الآن، فهو نجاحها في حرمان السياسيين المنبر والاستقطاب والاستغلال و»القطف». حملةٌ لم يزرع فيها السياسيون حتى يقطفوا. حملةٌ أرادت لنفسها أن تكون جامعة تحت عناوين جامعة، ومن أجل أهداف جامعة. منذ بدأت الحملة ويدفعني كثر إلى المشاركة في التظاهر. تردّدت خفراً، على الرغم من أنني أنا أيضاً مواطنٌ يرزح تحت أعباء النفايات والحثالة، ثم كتبت: «لنترك ساحة رياض الصلح لأصحاب التحرّك، شباب «طلعت ريحتكم»، منعاً للاستغلال والقطف من كل السياسيين (منّي وجرّ)»! فلنتركها لهم ولجميع المواطنات والمواطنين الذين زحفوا يفترشون أرضاً تعيد لهم كرامتهم، ولنخجل من الاستغلال! سنكون كثراً نلاقي الحملة في ساحات أخرى، حرصاً على الجمهورية وانتصاراً لحق الناس في التعبير والتظاهر حتى يُستبدَل بالرصاص الحيّ الضمير الحيّ...
في ساحة رياض الصلح وفي ساحات أخرى، ثمة مواجهة مستمرة. مواجهة الرتابة بالتحديث ومواجهة الفوضى بالتخطيط ومواجهة الفساد بالمحاسبة ومواجهة خراطيم المياه بنفوس عطشى إلى التغيير والتجدّد والبناء...
في ساحة رياض الصلح وفي ساحات أخرى، ثمة مشهد أكثر إنباءً من قانون الانتخاب. ثمة شرعية شعبية فرضت معادلة جديدة... ما بعد الرائحة الطالعة ليس كما قبلها... وللحديث وللمعادلة وللحملة صلة...