ليس المطلوب أبداً التوجه إلى وسط بيروت لمشاركة «طلعة ريحتكم» التظاهرة نفسها. نجاح الحملة يقتضي استحداث ساحة اعتصام في كل حيِّ لبنانيّ. المطلوب إقفال كل الطرقات، من عكار التي يعمل الحريريون لتحويل سهلها الأخضر إلى مكب نفايات بعدما قتلوا القطاع الزراعي، إلى المنية التي تئنّ تحت وطأة التقنين الاستثنائي للكهرباء، إلى جبيل التي حولت محميتها إلى مكب نفايات، إلى كسروان التي تعاني مدنها وبلداتها من عفن النفايات الرهيب، فبعبدا التي تتراكم في مركز قضائها أطنان النفايات والشوف الذي حوله وليد جنبلاط إلى مختبر واسع لكل أصناف التلوث، مستغلاً الحجر بعد البشر.


ويفترض بالمواطنين ابتداع وسيلة الاحتجاج الأنسب: حمل النفايات من منازلهم لرميها أمام منازل نوابهم المفترضين أو احتلال مباني المجالس البلدية التي توافق على تحويل جباياتها إلى جيب سوكلين بدل صرفها على مشاريع إنمائية حقيقية أو الاستعانة بجرافات لإقفال الطرق الحيوية بأطنان القمامة أو نقل النفايات إلى منازل رجال الأعمال والمقاولين وغيرهم ممن تنشط الطبقة السياسية لخدمتهم.
الشباب المتظاهرون كانوا جازمين أمس في رفضهم محاولات ثعالب السياسية الالتفاف عليهم لحرف تحركهم. فهم لا ينتظرون أو يتطلعون أبداً إلى تظاهر بعض السياسيين معهم. يعنيهم أكثر تداعي الموظفين في كل فرع مصرفي على امتداد الأراضي اللبنانية للخروج اليوم ظهراً عند استراحة الغداء إلى الشارع للاحتجاج، ولو عبر التقاط صورة «سيلفي» جماعية وكتابة تعليق. يعنيهم استدعاء أصحاب المطاعم موظفيهم إلى اعتصام طارئ للقول إن المطعم الفلانيّ يحتج. وبين بيان دعم من النائب وليد جنبلاط أو طبيب في أحد المستشفيات، هم يتطلعون اليوم إلى ابتداع النقابيين والعمال في مختلف القطاعات والمؤسسات الوسائل الأنسب للقول إنهم معنيون بما يحصل ولا يسعهم السكوت أكثر. فالتحدي الرئيسي ليس استقطاب أقلية سياسية بلغ فسادها ذروته، إنما استنهاض مجموعات كثيرة تجد أنفسها غير معنية بالعناوين السياسية فيما يفترض بالعناوين المطلبية أن تجذبها.
ومن العام إلى الخاص، يخطئ جمهور المقاومة بتفرجه على المتظاهرين يحتجون على تحويل الوطن الذي يستشهد المقاومون من أجله إلى مكب نفايات. ولا يمكن هذا الجمهور الخضوع أكثر لكل الابتزاز الحريريّ، فلا شيء اسمه ملف أمني ــ عسكري بيد فريق وملف اقتصاديّ بيد فريق آخر، إما هناك مشروع وطني كامل أو ما من مشروع. أما العونيون الذين بدأوا يلتفتون منذ أول من أمس باهتمام أكبر – ولو بمبادرات شخصية – إلى تحرك «طلعة ريحتكم» فلا يسعهم سوى الانخراط أكثر فأكثر بهذه الحملة لاستعادة ثقة الرأي العام بإيلائهم القضايا المطلبية بعض الاهتمام، ولا تكفي في هذا السياق خطوتا الوزير إلياس أبو صعب والنائب نبيل نقولا المسرحيتان؛ لا بدّ من جدية أكبر. مع العلم أن مشاركين أساسيين في التحرك هم عونيون سابقون أو حلفاء مستقلون للتيار في جامعتي «اليسوعية» و»الأميركية»، سئموا استراتيجية المهادنة وإيلاء التيار أولوية لحقوق المسيحيين على حساب حقوق المواطنين الأساسية. أما جمهورا تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي فهما عملياً أمام مناسبة نادرة لتصفية حساب إنمائي ــ استغلالي كبير مع مرجعياتهما. فبعد إخماد هذين الحزبين مرحلياً احتجاج برجا وبعض قرى إقليم الخروب، يسعى جنبلاط جاهداً للقول إنه مع المتظاهرين، بدل الاستجابة لمطالب المحتجين والانتحار اشمئزازاً من فساده. وفي المقابل، يمكن نسبياً تفهم إصرار منظمي التحرك على تحميل جميع السياسيين دون استثناء المسؤولية عما بلغته الأوضاع، حتى لا تصبح التظاهرات ضد فريق سياسيّ دون غيره فتشد الأحزاب المستهدفة عصبها من جديد، وإن كان ملف سوكلين يرخي بثقله على تيار المستقبل والنائب وليد جنبلاط أكثر من كل الأفرقاء السياسيين. ولا شك أن تجربة إسقاط النظام الطائفي الفاشلة لا تزال حاضرة في أذهان بعض المنظمين الواعين للحراك الحالي، حين وقعوا في فخ وضع الشارع العلمانيّ بمواجهة الشارع الطائفيّ، ووجد جمهور كبير أنه معني بالدفاع عن قياداته. ويصدف هنا أن أكثر المتضررين في ملف القمامة مثلاً هم جمهور الزعماء المنتفعين من هذه الملفات، وعليه لا يجوز تحويل المشكلة مع قيادة تيار المستقبل والحزب الاشتراكي إلى مشكلة مع جمهوري المستقبل والاشتراكي. فنجاح التحرك يشترط مبادرة هذين الجمهورين بالذات إلى مطالبة من ينتفعون على حساب بيئتهم وصحتهم. ويسجل للحراك نجاحه في إبقاء نفسه بعيداً عن الزواريب السياسية، دون إقحام نفسه في الملفات الانقسامية التقليدية. ولا شك أنّ بوسع لبنانيين يختلفون بشأن سلاح المقاومة وهوية رئيس الجمهورية والتمديد لقادة الأجهزة الأمنية أن يجدوا ما يناضلون سوياً لأجله. اليوم قمامة، غداً كهرباء وبعده الأقساط المدرسية والفاتورة الاستشفائية وغيره. ثمة مجلات للاختلاف وأخرى للالتقاء. يفترض بذل جهد لإقناع جمهور تيار المستقبل بالاحتجاج على قيادته حين تعارض خطة منطقية لحل أزمة الكهرباء تقدم بها التيار الوطني الحر أو غيره. أما الأهم على هذا الصعيد، فهو صياغة المتظاهرين خطاباً واضحاً في وضعه سقفاً لحل أزمة النفايات لا يجوز النزول تحته. فكثيرون يعتقدون أن الأزمة ستحل بمجرد كنس النفايات من الشوارع.
مع الأساتذة المتعاقدين وطلاب الجامعات المحتجين على ارتفاع الأقساط وحملة التنديد بالتمديد للمجلس النيابي، لم تكن الصورة واضحة كما هي اليوم؛ أتى الحراك الحالي ليُبرز أن عدداً قليلاً من الناشطين، لا يتمتعون بأية قدرات مالية أو دعم إقليمي أو غيره، قادرون على دحرجة كرة ثلج احتجاجية ضخمة بمجرد أن يحدد عنوان مطلبي جدي. وصف الرأي العام بغير المبالي وكيل الشتائم له لم يكن في محله؛ هو أظهر أمس، بوسائل متعددة، مبالاته بمشاكله المباشرة، لكنه لم يعد يبالي بالمناكفات السياسية التقليدية والتظاهرات التي تستخدم المحتجين وقوداً للتسويات.