من «كبتي» و«البحّار» إلى «أبو هلالين» و«ليكزس»، المستوحاة من ماركة السيارات الشهيرة، كلّها مسميات مختلفة لحبة الكبتاغون. هذه الحبة الأشهر على الإطلاق في الزمن الحالي بين تجّار المخدرات وأمراء الحروب. تتعدد ألوانها (زهري، أصفر، أبيض) وتختلف مسمياتها تبعاً للشكل المرسوم على الحبة، ويستدل بها مستهلكوها ومهربوها على جودة الحبة. لقد بلغ مجموع حبوب الكبتاغون المضبوطة خلال سنة وتسعة أشهر 80 مليون حبة. هذه الملايين كانت معدّة للتهريب من لبنان إلى دول الخليج ولكن جرى إحباطها. وربما، يكون ما نجحت عصابات التهريب في تمريره أكبر من هذه الكميات، لكن مع كل عملية فاشلة لأرباب الكبتاغون، كان يتم توقيف مهرّبين ومصنّعين لهذه المادة الممنوعة. فتوالى سقوط أشهر «تجّار» الكبتاغون في قبضة القوى الأمنية. لكن، بالرغم من ذلك، النبع لم ينضب.


بين حزب الله والسعودية
شهرة هذه الحبوب من عمر الأحداث في سوريا، أقلّه لبنانياً. في مطلع عام 2012، ضُبطت ماكينات لتصنيع حبوب الكبتاغون في حوزات دينية في البقاع اللبناني، فرُبِط الكبتاغون بحزب الله. سُمّيت حبة الكبتاغون بـ «حبة السيد» تهكّماً بسبب ضلوع بضعة رجال دين في الاتجار بالحبوب الممنوعة. إضافة إلى اتهام شقيق أحد نواب كتلة الوفاء للمقاومة بالتجارة المحرّمة. غسل الحزب يديه: تورُّط عناصر لا يعني ضلوع القيادة. وأُفسِح المجال لملاحقة المتورطين قضائياً. مرّت سنوات، ضُبِط أميرٌ سعودي متلبّساً بملايين حبوب الكبتاغون في مطار بيروت في 26 تشرين الأول العام الماضي. أوقف عبد المحسن بن وليد آل سعود، الذي اشتهر إعلامياً بـ «أمير الكبتاغون»، مع مرافقيه، ليُتَّهموا بجرم الإتجار بالمخدرات وترويجها وتهريبها. حدثٌ بُني عليه ما بُني. لكنه واقعاً تسبب بتأزيم العلاقة بين لبنان والسعودية نتيجة دكّ سليل العائلة المالكة و«صاحب السمو الملكي» في السجن. ولحد الآن، لم تُفلح كل الوساطات في إخراجه، فيما يُقدِّر قضاة أن المدة التي سيقضيها الرجل في السجن تتراوح بين 5 و7 سنوات.
بين تورط عناصر من حزب الله وأمراء سعوديين، تحوّل «الكبتاغون» إلى مادة للسجال بين العدوّين اللدودين. قاسمٌ مشتركٌ جديد دخل على القضية. في القرار الظني، ورد اسم علي فياض اسماعيل بوصفه «التاجر الشيعي» الذي سلّم الأمير السعودي كميات الكبتاغون ووضّبها له. ابن بلدة بريتال ذائع الصيت في هذا المجال، علماً أن المعلومات الأمنية تتحدث عن مصانع للكبتاغون بين بلدتي الطفيل وبريتال تعود ملكيتها له. ويفوقه شهرة شقيقه محمد، تاجر المخدرات الأشهر الذي يترأس عصابات الخطف مقابل فدية. وكلاهما يعملان في هذا المجال، وتحديداً الكبتاغون لكونه يدر الكثير من الأرباح بكلفة إنتاج زهيدة. ومحمد هو الرجل الذي قضى سنوات في السجن لتنتهي محكوميته منذ أشهر، والذي ما كاد يخرج حتى قُتل منذ أسابيع في حادثٍ غامض. ويفيد المُعلن من المعلومات أنّه سقط أثناء محاولته خطف سوريين، لكن مقتله جاء أقرب إلى عملية تصفية طرحت العديد من علامات الاستفهام بشأن اغتياله باعتباره «كنز معلومات» يُخشى من تركه.

ثلاثة بارونات

خلال الأشهر القليلة الماضية تمكن مكتب مكافحة المخدرات المركزي من توقيف ثلاثة من أكبر مُصنِّعي ومهرّبي الكبتاغون على مستوى العالم. هم سوريان ولبناني، تعتبرهم الاجهزة الامنية اللبنانية والعربية من أبرز الضالعين في تهريب عشرات ملايين الحبوب عبر الأراضي اللبنانية إلى الأسواق الخليجية. تكرر ورود ألقابهم على ألسنة معظم الموقوفين في قضايا تصنيع وتهريب الكبتاغون لدى مكتب مكافحة المخدرات وأمام قضاة التحقيق الى ان انكشفت هوياتهم الحقيقية: اللبناني حسن سرور المشهور بـ «أبو عبدو»، والسوري محمد شحادة رشق الملقب بـ «أبو العباس»، والثالث هو «أبو مشعل» أو خلدون الغفيلي. ثلاثة أسماء شغلت أجهزة الأمن العالمية لسنوات طويلة. هؤلاء برعوا في ابتداع وسائل وطُرق لتهريب الحبوب المخدِّرة عبر مطار بيروت أو المرفأ.

أبو عبدو
سقط حسن سرور الملقب بـ «أبو عبدو» أولاً. «كعّى» الرجل الأجهزة الأمنية طويلاً، قبل أن يقع. والطريف في الأمر، أنّ هذا "المطلوب المهم" كان يقيم في شقة فخمة تبعد أمتاراً قليلة من مقر مكتب مكافحة المخدرات المركزي في شارع بلس في راس بيروت. اعتبر «أبو عبدو» أنّه آخر مكان قد يخطر على بال الأجهزة الأمنية. لم يخب ظنّه لفترة طويلة، قبل أن يوقع به حظّه العاثر. وضُبط لدى الموقوف عدد من السيارات الفارهة وكمية من المخدرات. كان يملك مصنعاً لتصنيع الكبتاغون في البقاع. كما كان يتولّى توفير المواد الأولية لتصنيع الحبوب المخدّرة، ويعاونه شقيقه «أبو خالد» وابن شقيقه في أمور التهريب.

أبو عباس
بعد حسن سرور سقط محمد رشق المشهور بـ«أبو عباس» أو «محمد عباس» (مواليد ١٩٦٤)، وهو أكثر عالمية. كان يقيم في بلدة فليطا السورية المحاذية لبلدة عرسال، ويملك منزلاً في أدما. كما أنّ «أبو عباس» دخل في مواجهات عسكرية مع تنظيم «جبهة النصرة» في القلمون على خلفية الإتجار بالمخدرات وحشيشة الكيف. ذاع صيته بعد ظهوره على قناة الإخبارية السورية من بين مجموعة موقوفين ضُبطوا أثناء محاول تهريب نصف مليون حبة كبتاغون وكمية من المخدرات. كان ذلك عام ٢٠١١، لكن «أبو العباس» خرج من السجون السورية. لم يُعرف كيف حصل ذلك. في لبنان، كشفت التحقيقات الأمنية أنّه كان شريكاً لأحد ضباط قوى الأمن في ملكية مصنع كبتاغون في عرسال (أوقف الضابط برتبة وهو المقدم ب.ن.). وكان هذا الضابط يُسهّل خروج «البضاعة» من عرسال، وتردد أنّه أحياناً كان ينقلها في السيارة العسكرية. في المحصّلة، عُمّمت بلاغات بحث من منظمة الانتربول الدولية بحق الرجل. وأرسلت أجهزة استخبارات الدول الخليجية إلى الأمن اللبناني برقيات تُفيد عن مواصفات وكنى الرجل ومعلومات قد تساعد في توقيفه. كان يمتلك مصنعاً لإنتاج هذه الحبوب في بلدته فليطا. ومن هناك، يقوم بتهريبها إلى لبنان عبر بلدة عرسال. ومن لبنان إلى دول الخليج، وخاصة السعودية والكويت ودبي. وبحسب المعلومات، عملت شبكة التهريب التي يتزعمها في مجال التهريب منذ سنوات، إلا أن اسمه، بالألقاب التي يُعرف بها، بدا يتردد منذ عام ٢٠١٤، من خلال كتب الانتربول التي ترد إلى قوى الأمن حول الأشخاص المتورطين بقضايا تصنيع وتهريب حبوب الكبتاغون المخدرة. كذلك ورد اسمه في بعض التحقيقات في عمليات تهريب الكبتاغون التي أجراها مكتب مكافحة المخدرات بعد ضبط كميات كبيرة، تُقدر بملايين الحبوب إضافة إلى مواد كيماوية تُستخدم في تصنيعها. إزاء ذلك، عُمِّم بحقه بلاغ بحث وتحرٍّ، علماً أنّه كان يستخدم أسماء وألقاباً وهمية وسيارات مختلفة في تنقلاته ويبدل أرقامه الهاتفية باستمرار. وبنتيجة المتابعة والرصد والمراقبة، تمكن مكتب مكافحة المخدرات بتاريخ 7 أيار 2015 من توقيفه في أدما، فاعترف بعشرات عمليات تهريب حبوب الكبتاغون إلى السعودية والمواد المصنعة لهذا المخدر إلى لبنان وسوريا لتصنيع حبوب الكبتاغون منها.

أُديرت أضخم عمليات تهريب حبوب الكبتاغون من شقتين في أنطلياس وأدما


أبو مشعل
بعد سرور ورشق، جاء دور السوري خلدون الغفيلي المشهور بـ «أبو مشعل» (مواليد 1990). الغفيلي رغم صغر سنّه، كان ذائع الصيت في عالم الكبتاغون. لم يكن يُعرف باسمه، إنما بكنية «أبو مشعل». وقد وردت الكنية في إحدى البرقيات الأمنية التي أرسلتها دولة عربية إلى الأمن اللبناني. نشاط الغفيلي كان متركّزاً على السعودية وقطر والكويت. أدخل الرجل ملايين حبوب الكبتاغون إلى هذه الدول الثلاث. في إحدى العمليات، وضّب الحبوب ضمن طاولات خشبية مرسلة إلى قطر. كما هرّب الحبوب داخل أحواض زراعية وداخل «صواني بلاستيكية» إلى الكويت. وفي التهريب إلى السعودية، استخدم ألواح زجاجية لإخفاء الحبوب المهرّبة. ناهيك عن عشرات العمليات التي ضُبط بعضها في لبنان والبعض الآخر في الخارج. اسم «أبو مشعل» بدأ يتردد في إفادات الموقوفين من المهرّبين. وكان يرد أحياناً بلقب «خالد» و«الخال» و«أبو مشعل» و«أبو أحمد» و«خالد الخالدي»، علماً أنّه الرجل الرئيسي الذي كان يُموّل هذه العمليات. أثناء التحقيقات، حصل مكتب المخدرات على صورته وعرضها على موقوفين بهذه القضايا، فأكّدوا أنه الشخص المقصود. وبنتيجة المتابعة، جرى تحديد الاسم الكامل وهو «خلدون مطرود الغفيلي»، وتبين أنّّ يقيم في أنطلياس. وبتاريخ 4 كانون الثاني عام 2016، دوهمت الشقة التي يقيم فيها فأوقف مع أشخاص ضالعين في عمليات التهريب. وخلال التحقيقات، اعترف «أبو مشعل» بعمليات تهريب حبوب كبتاغون وتمويله لها منذ عام ٢٠١١. كما افتُضحت عدة عمليات تهريب سابقة كانت قيد الكتمان.

سقط الرجال الثلاثة، الموقوفون الذين تعتبرهم الأجهزة الأمنية «بارونات الكبتاغون»، لكن عمليات التهريب لم تتوقف. مصدر هذه الحبوب لا يزال منتجاً. منذ ثلاثة أشهر تقريباً، أي في السادس من كانون الثاني هذا العام، ضبط مكتب مكافحة المخدرات نصف مليون حبة كبتاغون موضّبة داخل ماكينة مصبغة، مشحونة إلى السعودية. ذلك يعني أنّ «البارونات» الثلاثة حلقة من شبكة بارونات، بل ربما يعملون لدى بارون أكبر خفي، محمي ومدعوم، لم تتمكن التحقيقات من التوصّل إلى اسمه بعد.



لماذا يتعاطون الكبتاغون؟

تُجمع المصادر الأمنية على أنّ إفادات المهرّبين تمحورت حول سبب الطلب الخليجي على الكبتاغون، وهو اعتقادهم أنّه «مقوٍّ ومنشّط جنسي فعّال». ويذكر الموقوفون أنّ استهلاكه في سوريا على يد المجموعات المسلّحة كان بهدف التغلّب على الشعور بالخوف واكتساب الشجاعة لخوض المعارك بنشاط والبقاء صاحياً لأيام عديدة. وبالفعل، تكشف البحوث الطبية أنّ الكبتاغون هو أحد مشتقات مادة الامفيتامين، وهذه مادة كيميائية منشطة، ترفع المزاج وتقلل الحاجة إلى النوم وتقلل الشهية للأكل. وتلحظ الأبحاث أن البعض يستخدم الكبتاغون بانتظام بهدف تحسين أدائه الجنسي (إطالة مدة الجماع)، لكنها تشير إلى أن ذلك يؤدي بعد فترة وجيزة لمشاكل مزمنة بالجهاز التناسلي ومن ثم الضعف الجنسي. وتشير إلى أن جسم الانسان بعد أيام متواصلة من النشاط بسبب تناول الكبتاغون ينهار دفعة واحدة. وبالتالي، يتعزز لدى المدمن الشعور بضرورة إعادة تناوله لرفع مزاجه.



مصانع متنقّلة

إثر اندلاع الأحداث السورية، تحوّل لبنان والأردن وتركيا إلى معبر لتهريب الكبتاغون. ازدهرت تجارتها، وأصبح لبنان بلداً منتجاً لهذه المادة الكيميائية المخدرة، علماً أنّ حجم الطلب على الكبتاغون في لبنان لا يُقارن مع الطلب على حشيشة الكيف والهيرويين وشراب «السيمو»، نظراً لارتفاع سعر الحبة، إذ يتراوح سعرها بين خمسة وعشرة دولارات للحبة الواحدة. لذلك تحولت سوق الخليج الى سوق الاستهلاك الرئيسة، بحسب ما تفيد التحقيقات.

مصانع الكبتاغون ليست بحاجة إلى مساحات كبيرة، اعتمد بعض صانعيها على مصانع متنقّلة. فقد ضبطت القوى الأمنية في أحد المرات «مصنعاً» داخل سيارة، من نوع رابيد، ينتج ملايين الحبوب. أما المناطق التي ينشط فيها تصنيع حبوب الكبتاغون، فتتوزع بين البقاع والشمال (تحديداً قرى وادي خالد). إضافة إلى مصانع معروفة كانت تُنتج كميات كبيرة من الكبتاغون في منطقة فليطا السورية وفي عرسال اللبنانية.



كيمياء الكبتاغون على لسان تاجر حبوب

طابخ الكبتاغون صيدلي أو طبيب مختبر! حلقة لا بدّ أن تكون موجودة بحسب خبرة الأجهزة الأمنية مع معظم عصابات تصنيع وتهريب الكبتاغون. غير أنّ مقابلة أحد مصنّعي الكبتاغون في الشمال، تكشف أنّ «حرفة تصنيع الحبوب» سهلة، يمكن أن يُتقنها أيٌّ كان. وبحسب الرجل، وهو لبناني، من ذوي الأسبقيات، يجرى «تحويل بنزين كيتون الى ماء البازا (والبازا يُتداول في الدارج أنها مازوت) لكونها ليست سائلة إنما مادة لزجة». يُصار إلى تحويل 12 ليتر بنزين إلى عشرة ليترات مازوت. عملية التحويل كيميائية تلقائية، بعد أن يضاف السبيرتو قبل أن «يفقسوها بأسيد اسيتريك». بعد هذه العملية، تتحول المادة إلى مادة قريبة من اللبن. يخرج منها مادة بلونين: أصفر وأبيض. توضع هذه المواد في أكياس شبيهة بأكياس اللبنة التي تُستخدم في القرى أثناء عملية التموين. تُعلّق ثم تُكبس لمدة يومين أو ثلاثة حتى تجفّ. وبذلك تهيّأ المواد لتصبح أمفيتامين جاهز للخلط. كل 7 أو 8 كيلوات أمفيتامين، تُضاف إليهم «مادة الكافيين السائل بمعدّل 10 كيلو وتيرفيلين 10 كيلو و٢ كيلو إفيدرين ولاكتوز 5 كيلو وكيلو تلزيق طبي وصباغ الطعام لمنحها اللون الذي نُريد». تُخلط هذه المكونات ثم تُطحن على المطحنة. يُنشر المخلوط كي يجف، ويُؤخذ المنتوج إلى «مكنة تصنيع البونبون». أما كيفية بيعها للتجار أو ترويجها، فيجري ذلك حسب المُتعارف: «تُباع بالشدّ.. والشد يحتوي على ٢٠٠ حبة».