قد يفيد لقب «أم المعارك في الشوف» لوصف المعركة البلدية في بلدة الدامور على ساحل الشوف الجنوبي. فعدا عن الحماسة التي يبديها طرفا التنافس، أي رئيس البلدية الحالي شارل الغفري ورجل الأعمال الياس العمار الذي يرأس لائحة «الدامور هويتي»، تحمل المعركة أكثر من بعد سياسي وديموغرافي وعائلي، في ظلّ الاتفاق العوني ــ القواتي، وأزمة حي السعديات، وانحسار تأثير النائب وليد جنبلاط في الدامور إلى حدوده الدنيا.

في الانتخابات البلدية الماضية، خاض العمّار ومعه عددٌ من «طلاب التغيير» في البلدة معركة متواضعة ضدّ الغفري الذي تحكم عائلته رئاسة البلدية في الدامور منذ أكثر من 70 عاماً. أتت النتائج متواضعة أيضاً، في ظل «الأخطبوطية» التي يشتهر بها الغفري في العلاقات مع الكنيسة المارونية ونقابة الأطباء وجنبلاط عبر النائب عن كتلة اللقاء الديموقراطي إيلي عون، وحزب القوات اللبنانية، فضلاً عن الخدمات والمتابعة والماكينة الانتخابية المتمرّسة. وأتى موقف رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون عشية انتخابات الـ2010 ليكمّل طموح الغفري بولاية جديدة بعد إعلان عون دعمه له، في مقابلة مباشرة على الهواء.

ماريو عون: أنسّق مع الرابية والتوجّه لدعم «الدامور هويتي» ينفي الغفري أن يكون قد قطع وعداً لأهالي السعديات بالانفصال

في السنوات الست الماضية، لم يهدأ الطامحون لتغيير الغفري. اتّخذ العمّار خيار المنافسة في الخدمات، بالتوازي مع خوض معركة إعلامية ضدّ الغفري، عمادها مشروع «المطلّ» السكني، الذي أقيم عليه عدد من الوحدات السكنية لأحد المتمولين السعوديين، بعد تغيير تصنيف الأراضي عبر وضع مخطط توجيهي للدامور يتناسب مع حاجات المشروع. وتتمسك لائحة «المعارضة» أو «الدامور هويتي» بعددٍ من «النقاط السوداء» على الغفري، تبدأ من مشروع «المطلّ» ولا تنتهي بحرمان أهالي البلدة من استخدام الواجهة البحرية للدامور لمصلحة عددٍ من المشاريع التجارية لمتموّلين ومؤسسات من خارج البلدة، وكذلك حرمان أهالي الدامور من الإفادة من استثمارات الأراضي على جانبي الأوتوستراد الدولي، وأزمة ملفات العودة المتعثّرة لأهالي الدامور الذين تهجّروا من بلدتهم بعد المجزرة الشهيرة في «حرب السنتين».
على مقلب «الدامور هويتي»، تبدو المعنويات مرتفعة لجهة إمكانية إسقاط بلدية الغفري الحالية و«تشكيل بلدية من الحريصين على الدامور وعلى التغيير في البلدة»، كما يقول العمّار لـ«الأخبار». أمّا الغفري، فردّه على «اتهامات المعارضة» وأسئلة «الأخبار» حول تطوّرات المعركة الانتخابية بأنه «بعد بكّير».
وفي موازين القوى، يبلغ عدد الناخبين في الدامور حوالى 9500 ناخب، بينهم 1200 ناخب من أصل 4000 مقيم سيقترعون لانتخاب مجلس بلدي من 18 عضواً، وستة مخاتير، بينما يتوزّع الناخبون الآخرون بين كسروان وساحل المتن الشمالي وكندا وأوستراليا وأوروبا. في المعركة الماضية نالت «المعارضة» حوالى 35% من أصوات المقترعين، فيما لا تزال الأرقام الحالية ضبابية مع تضارب أرقام الاحصائيات، إلّا أن مصادر «لائحة الدامور هويتي» تشير إلى أرقام بلغت حدود 45% من أصوات الناخبين لمصلحتها، بينما تشير مصادر أخرى إلى استطلاعٍ أجرته إحدى شركات الاحصاءات، وأشارت النتائج إلى أن نصف الأهالي يميلون إلى التغيير والنصف الآخر لا يمانع بقاء الغفري، لكن تنقسم النسبة في التأييد لمصلحة الغفري.
ولا تُنكر «الدامور هويتي» القدرة التي يتمتّع بها الغفري، وتؤكّد مصادر اللائحة أن «المعركة ستكون صعبة، لكن الدامور لم تعد تقبل بأن تبقى تحت حكم العائلة الواحدة طوال هذه السنين، والمطلوب التغيير لبثّ روح جديدة». حتى الآن، ضمنت لائحة المعارضة دعم الوزير السابق ماريو عون، الذي يؤكّد في اتصال مع «الأخبار» أنه «بعد هذه السنوات هناك فشل ذريع من الغفري في الإنماء وملفات العودة وبيع الأراضي للأجانب، ما دفعني شخصياً إلى تأييد لائحة العمّار وفيها رجال مثقفون ومتعلمون. وأنا أسعى شخصياً للحصول على تأييد التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية للقيام بتغيير جذري». وعن موقف الجنرال عون، يقول عون إنه ينسّق مع الرابية في كل التفاصيل، و«الأحوال تميل إلى تأييد الدامور هويّتي». ومع أن كلام الوزير السابق حاسمٌ لجهة دعم العمّار، إلّا أنه يشير إلى أن من الضروري «دراسة الأرقام». ودعم ماريو عون لا يعني الدعم الكامل من قبل التيار الوطني الحرّ، الذي يصطف القيادي الشوفي فيه يوسف رزق الله إلى جانب الغفري، ما يفرض انقسام مناصري التيار في البلدة بين اللائحتين. ومع أن الدامور كانت لتكون مختبراً أساسياً لورقة إعلان النوايا بين التيار والقوات لرمزيتها كإحدى أكبر البلدات الشوفية المارونية، لم تعلن القوات اللبنانية حتى اللحظة موقفاً واضحاً بتأييد إحدى اللائحتين. والكلام الرسمي الوحيد يكرّره النائب جورج عدوان عن أن «القوات لا تزال في مرحلة الاستطلاع ودراسة الأرقام»، مع أن الأخير يقول لـ«الأخبار» إن «التوجّه العام لدينا هو للتغيير». بكلماتٍ أخرى، يمكن تفسير الموقف القواتي، وإشارة ماريو عون إلى دراسة الأرقام، بأن الثنائي لم يستطع حتى اللحظة إسقاط تحالفه على القرى والبلدات، لا سيّما الدامور، وأن من الأفضل دراسة الأرقام، كي يستطيع أن يختار الكفّة الرابحة!
مسألة أخرى تضفي نكهةً على معركة الدامور. بحسب مصادر «الدامور هويتي»، فإن «الغفري يشعر بجدية المعركة، لذلك يحاول تجميع كل الأصوات الممكنة، وقد عقد اتفاقاً مع الناخبين في السعديات، بمساعدة أهالي الحي في حال انتخابه على الحصول على بلدية مستقلة عن الدامور». وتؤكّد المصادر أن «الغفري وقّع على تعهّد مع أعضاء البلدية الحالية بمنح السعديات بلدية مستقلة». والسعديات هو أحد أحياء الدامور، يقطنه حوالى 9000 آلاف شخص، بينهم 185 ناخباً فقط يقترعون في الدامور، تدور غالبيتهم في فلك تيار المستقبل ومفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، إضافة إلى وجود بعض الناشطين السلفيين. ويطالب أهالي الحيّ منذ زمنٍ طويل بالحصول على مختار يمثّل حيّهم، والمشاركة في البلدية عبر أحد الأعضاء، إلّا أن مصادر عائلة الأسعد في السعديات أكّدت لـ«الأخبار» أنه «الآن اتفقنا مع الدامور على الانفصال ولم نعد نطالب بالمشاركة في بلدية الدامور»، من دون الخوض في التفاصيل. وفي وقت ينفي فيه الغفري أن يكون قد قطع أيّ وعد، يؤكّد لـ«الأخبار» أن «الانفصال هو رغبة أهالي السعديات». غير أن وعود الغفري لأهالي السعديات تبدو كلاماً في الهواء، كما يؤكّد أكثر من مصدر سياسي في المنطقة، إذ إن تشكيل أي بلدية جديدة يحتاج إلى عريضة لا يقلّ عدد موقّعيها عن 600 ناخب في الحي، فضلاً عن أن للسعديات «حساسية» معيّنة بالنسبة إلى حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي، لوقوعها على خطّ الساحل الجنوبي، وعلى مدخل الشوف.
وعلى عكس الانتخابات البلدية السابقة، حيث كان جنبلاط ناخباً «خفيّاً» في الدامور، يكفي الآن أن طرفي الصراع يبديان تحفظات على إعلان تأييد جنبلاط لهما، بحيث يتحوّل تأييد رئيس الاشتراكي لأي من اللائحتين سبباً في خسارة الأصوات وتجييرها للائحة المقابلة!