99 اسما لاشخاص وشركات ومؤسسات هي حصيلة التحديث الاخير الذي اصدرته وزارة الخزانة الاميركية، وفقاً لقانون العقوبات الذي اقره الكونغرس الاميركي ووقّعه الرئيس باراك اوباما نهاية العام الماضي، والمتعلق بفرض عقوبات مالية على حزب الله.

حتى الآن، كان لبنان يترقب صدور ما يعرّف عنها محلياً بأنها مراسيم تطبيقية للقانون الاميركي، وينتظر حصيلة الزيارات اللبنانية الرسمية الى واشنطن التي قام وزير المال علي حسن خليل، وقبله الوفد النيابي، لكن تبيّن ان هذه الزيارات لم تحمل معها الى بيروت معلومات واضحة عن توجهات الادارة الاميركية، كما لم تحمل اي نتائج ايجابية، بخلاف ما اوحى به القائمون بها. وجاء صدور التحديث الاميركي ليظهر ان ثمة تصميماً اميركياً على ترجمة روحية قانون العقوبات بجدية، فيما حاول لبنان الرسمي أن يتعامل معها على انه تمكن من اقناع الادارة الاميركية بما يرغب به.
وفيما برزت محاولات لتحييد لبنان ككل وحصر ترجمة القانون بحزب الله وحده، او تحييد القطاع المصرفي نفسه عن الازمة باعتباره طبق المعايير الاميركية، الا ان معاينة اللائحة الاميركية بنسختها المحدثة، تؤكد ان المخاوف السياسية التي يعبر عنها سياسيون جديون في لبنان، تدعو الى المزيد من الحذر تجاه تداعيات القانون سياسياً واقتصادياً ومالياً.

ستكون «المراسيم التطبيقية» بمثابة «عملية ابتزاز»، قد تطول او تقصر مدتها

فالتدابير الاميركية المتعلقة بالقانون المذكور ليست اجراءات معلنة بالكامل، ولا يمكن التكهن بها مسبقا. وادخال 99 اسماً لأشخاص وشركات ومؤسسات من مختلف القطاعات مع ذكر تفاصيل دقيقة ومفصلة عن العناوين في لبنان والخارج، وتعداد نشاط هذه الشركات في عدد من الدول، وحتى ارقام جوازات السفر للشخصيات المذكورة، كلها تعطي لمحة عن التوجه الذي تنوي الادارات الاميركية اتخاذه في ملاحقة الاسماء الواردة في اللائحة الطويلة. ورغم ان هناك محاولات داخلية لتصوير أن اللائحة محصورة بالحزب «رسميا»، لا احد قادراً على التكهن بمفاعيل ذكر هذه الاسماء وانعكاسها على الحزب بكل شرايينه الحيوية. كما لا يمكن التنبؤ بما قد تقبل عليه الخزانة الاميركية في تنفيذ تدابيرها او في التوسع لاحقا من خلال اتخاذ خطوات اضافية.
فاللائحة الحالية ليست نهائية ولم تختم. اي إنها في طور تحديث مستمر على غرار ما حصل حتى الآن، مع احتمال اضافة اسماء جديدة اليها، في اي وقت، تبعاً لمستوى الملاحقة الاميركية لتنفيذ القانون. وكذلك فان التدابير الاجرائية لم تعلن كلها. وقد تكون اللائحة واحدة من ادوات تنفيذ القانون وليس كلها. بهذا المعنى، ستكون «المراسيم التطبيقية» بمثابة «عملية ابتزاز»، قد تطول او تقصر مدتها بحسب الملاءمة السياسية لواقع التعامل مع حزب الله، الى ان يحدد موعد نهائي، إما لوقف القانون كما هو العرف مع اي قانون اميركي، او الاستمرار به الى اجل غير مسمى.
وهذا يعني ان من المبكر استخلاص نتائج مطمئنة لما صدر حتى الآن، باعتبار ذلك خطوة اولى على طريق تنفيذ القانون. علما ان مساعد وزير الخزانة الاميركية لشؤون تمويل الارهاب دانيل غلايزر سيزور لبنان في ايار المقبل للبحث مع المعنيين في آليات تطبيق القانون. وهو سبق ان زار بيروت في آذار 2015، كما التقى في واشنطن الوفد النيابي، وعكس اكثر من مرة ضرورة التشدد في تطويق حزب الله مالياً واقتصادياً.
وفي خضم الانشغال بالانتخابات البلدية، تطرح جهات سياسية اسئلة عن كيفية تعامل الحزب مع التدابير الجديدة على المستوى العام وعلى المستوى الضيق. فإذا كان بديهيا الا تكون للامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حسابات باسمه في اي مصرف لبناني، وتالياً لن يتأثر بشخصه بهذه العقوبات، الا ان اسلوب التدابير الاميركية، وعدم نهائيتها ووضوحها، قد يعرّض اي شخص على علاقة بحزب الله وله حسابات مصرفية لفحوى العقوبات الاميركية، بخلاف ما يحاول بعض المسؤولين اللبنانيين الايحاء به. وبهذا المعنى، يصبح خوض حزب الله للانتخابات البلدية تحت المجهر، وسط اسئلة جدية: ماذا لو خاض الحزب الانتخابات بأسماء قد توضع لاحقا تحت الشبهة بحسب القانون الاميركي، فأين يصبح الفصل عمليا وواقعيا بين المال العام لاي بلدية يرأسها شخص فاز في الانتخابات البلدية على لوائح حزب الله، والآلية التنفيذية للقانون الاميركي؟ وماذا لو فاز احد ممن تربطهم علاقة ما بمن ورد اسمه باللوائح الاميركية الاخيرة؟ وهل يمكن لاحتمالات من هذا النوع ولا سيما في بعض البلدات المعروفة بولائها للحزب، ان تضع هؤلاء المرشحين تحت معاينة اميركية دائمة، وهل يمكن تبعا لذلك الا يخوض الحزب الانتخابات البلدية بوجوه «حزبية» او ان يتخلى عنها لمصلحة حلفائه في حركة امل؟ ولا يقلل سياسيون من اهمية هذه الاحتمالات، والانتخابات البلدية اول استحقاق داهم يمكن ان يتأثر بهذه العقوبات، رغم أن الحزب لا يزال حتى اللحظة يتعامل، ظاهرياً على الأقل، كما لو أن شيئاً لم يحصل.
فما سيُقبِل عليه لبنان، لا حزب الله وحده، من جراء القانون الاميركي، قد يكون على درجة عالية من الخطورة. من دون ان ننسى تكهنات تتداول حالياً حول وضع احزاب مسيحية وغير مسيحية على تماس وتقاطع مع حزب الله. ومن يضمن احتمال عدم تقديم شكاوى في حق اشخاص واحزاب ومؤسسات يمكن ان تصنف بأنها على صلة بحزب الله ماليا واقتصاديا، ما يفتح الباب امام اجتهادات وهواجس ان يتحول القانون الاميركي «قميص عثمان» يتذرع به خصوم حزب الله لبنانيا واقليميا؟
لكن المحور الاساسي للمداولات السياسية هو موقف حزب الله: هل يتغاضى عما قد يسلكه هذا القانون بكل آلياته التنفيذية، بعدما اصبح واقعا ملموسا، وبدأت مفاعيله بالظهور تباعا؟ وكيف يمكن للساحة الداخلية ان تتحمل تبعات سياسية، وليست اقتصادية فحسب، اذا ثبتت الخشية من توسع هذه الاجراءات وتفرعها تدريجا؟
كل ذلك يدفع احد السياسيين الجديين الى التخوف من ان تكون العقوبات الاميركية الوجه الآخر للقرار 1559 ببنده المتعلق بحزب الله.