في نهاية كلّ عام، تطلق المصارف تقاريرها السنوية وتستعرض فيها النموّ في موجوداتها وأرباحها الصافية، لتُعيد التأكيد على متانة القطاع المصرفي بوصفه العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، والقادر على تأمين حاجات القطاعين الخاص والعام من التمويل. وفي حين يأتي هذا النموّ، كما تُبيِّن الميزانيات المُجمّعة، من مراكمة التوظيفات في الهندسات المالية المُربِحة مع مصرف لبنان وشراء أدوات الدَّين السيادي، لا يبدو أن الأسواق تنظر بتفاؤل في السنوات الأخيرة لمستقبل القطاع المصرفي ومتانته. بمعنى آخر، ثمّة ما يكفي من مؤشّرات في السوق توحي بأن المستثمرين يدركون أنّ هذا النمط من مراكمة الأرباح الطائلة لم يعد مستداماً، وهو غير قادر على الثبات في ظلّ كل الضغوط التي تواجه القطاع المالي اللبناني.

لقياس نظرة السوق وتوقّعاته بالنسبة إلى مستقبل أي مؤسّسة واستدامة أرباحها، يعتمد الخبراء الماليون على مؤشّر يقيس نسبة سعر الأسهم إلى الربح الصافي. وهكذا، يقيس تطوّر هذا المؤشّر كيفيّة تفاعل أسعار الأسهم مع الأرباح التي تحقّقها المؤسّسة، والتناسب بينهما صعوداً أو هبوطاً، وهو ما يعكس بالتالي تفاعل المستثمرين ونظرتهم إلى النتائج المُحقّقة حالياً لهذه المؤسّسة.


يكشف هذا المؤشّر جانباً مهمّاً جدّاً في عمل الأسواق، فمن الممكن أن تحقّق مؤسّسة ما أرباحاً دفترية جيّدة، لكن يمكن في الوقت نفسه - ولأسباب مختلفة - أن لا يتوقّع السوق استدامة هذه النتائج، أو أن لا يعتبر أن هذه النتائج تمثّل نموّاً صحّياً وثابتاً مستقبلاً، ما ينعكس في تراجع أو تباطؤ نموّ سعر الأسهم مقارنة مع الأرباح المُحقّقة، وهو ما ينعكس في تراجع مستوى المؤشّر.
في الواقع، ينطبق هذا السيناريو بشكل مثالي على وضع أسهم المصارف الكبرى المُدرجة أسهمها في بورصة بيروت. فعلى الرغم من أن أرباح القطاع المصرفي نمت دفترياً بنحو 13.6% و12.6% و4.4% في أعوام 2015 و2016 و2017 على التوالي، إلّا أن معدّل سعر السهم إلى الأرباح الصافية للمصارف بين عامي 2013 و2018 كان في انحدار متواصل، من 7.66 لغاية 5.18 نقطة. وبالتالي تراجع هذا المؤشّر بنسبة 32% بمعزل عن ارتفاع الأرباح الذي كانت تحقّقها المصارف خلال هذه الفترة مدعومة بكلّ أشكال الهندسات المالية التي يجريها مصرف لبنان منذ 2016.
عملياً، يعكس هذا التراجع عدم ثقة المستثمرين بمستقبل القطاع والأرقام التي يحقّقها، خصوصاً مع ارتباط هذه الأرباح بتنامي توظيفات المصارف في مصرف لبنان والدَّين السيادي، وتزايد انكشافها على هذا النوع من المخاطر بشكل كبير في ظلّ تنامي الأزمة الاقتصادية القائمة.
وبمعزل عن الأرباح، فالتحليل المالي يعتمد على مؤشّر مشابه لقياس نظرة الأسواق وتوقّعاتها بالمقارنة مع النموّ الذي تحقّقه الشركات في موجوداتها الصافية. ويعتمد هذا المؤشّر على قياس سعر الأسهم مقارنة بالموجودات الصافية للمؤسّسة، لقياس تفاعل الأسواق وتوقّعاتها بالمقارنة مع النموّ الذي تحقّقه المؤسّسات في موجوداتها الصافية. وفي حالة المصارف اللبنانية، فعلى الرغم من نموّ الموجودات بين عامي 2013 و2018 من 164.8 مليار دولار إلى 249 مليار دولار، أي بنسبة 51%، إلّا أن مؤشّر أسعار الأسهم إلى الموجودات الصافية تراجع من 1.07 إلى 0.69، خلال الفترة نفسها، أي بنسبة 35.5%.
ولمقارنة المؤشّرين مع معدّلات أخرى في بلدان أخرى، بلغ مؤشّر سعر الأسهم إلى الأرباح الصافية نحو 5.18 نقطة عام 2018 للمصارف اللبنانية الكبرى المُدرجة في بورصة بيروت، فيما بلغ 12.5 نقطة لمصارف بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، و11.8 لمصارف الأسواق الناشئة، و11.8 كمعدّل عالمي. أمّا مؤشّر سعر الأسهم إلى الموجودات الصافية فقد بلغ 0.69 عام 2018 للمصارف اللبنانية، فيما سجّل 1.85 لمصارف شمال أفريقيا والشرق الأوسط، و1.69 لمصارف الأسواق الناشئة، و1.43 كمعدّل عالمي.
هذه المقارنة مع المعدّلات العالمية تُظهر بوضوح انعدام ثقة الأسواق في معدّلات النموّ في موجودات وأرباح المصارف اللبنانية، على الرغم من ارتفاعها. فهشاشة النمط الذي يقوم بتضخيم موجوداتها وأرباحها من التوظيف في الدَّين العام ومصرف لبنان، أصبح بحدّ ذاته مصدراً للقلق، وهو ما انعكس بوضوح من خلال التباين بين حجم نموّ الأرباح والموجودات من جهة، وسعر الأسهم الذي يعكس قلق المستثمرين من جهة أخرى.