منذ سبع سنوات، تشهد بنية الدَّين العام اللبناني تغييرات كبيرة، نتيجة السياسات النقدية التي يعتمدها مصرف لبنان في مواجهة الأزمة المالية التي تشهدها البلاد. ولعلّ أبرز سمات هذه التغييرات هو انخفاض حصّة الأسواق من الدين العام، في مقابل توسّع حجم محفظة مصرف لبنان من سندات الخزينة اللبنانية. وتُعرّف حصّة الأسواق من الدين العام بأنها نسبة قيمة أدوات الدَّين السيادي المملوكة من المصارف وغيرها من أطراف القطاع الخاص من إجمالي الدَّين العام. وبطبيعة الحال، يُستثنى من هذه القيمة أدوات الدَّين المملوكة من مصرف لبنان والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وغيرهما من المؤسّسات العامة، بالإضافة إلى الديون المموّلة من خلال مؤتمرات «باريس-2» و«باريس-3» وغيرها من الديون الممنوحة بموجب تفاهمات ثنائية أو متعدّدة الأطراف.


أظهرت الأرقام التي نشرتها وزارة المال أخيراً، في تقرير «الدَّين وأسواق الدَّين» للفصل الأخير من عام 2018، أن هذه التغيّرات مستمرّة في مسار ثابت. فقد تراجعت حصّة الأسواق من مجمل الدَّين العام من 69% في نهاية عام 2013 إلى 59% في نهاية 2018، أي بتراجع 14.5% خلال السنوات السبع الماضية. وفي الوقت نفسه، تضاعفت توظيفات مصرف لبنان في أدوات الدَّين العام من 9.7 مليارات دولار في 2013 إلى 25.9 مليار دولار في 2018، ما يعني أن هذه التوظيفات تضاعفت بمعدّل مرّتين فاصلة سبعة خلال السنوات السبع.
يترجم هذا المسار سياسة مصرف لبنان المُعتمدة منذ بدايات الأزمة الحالية، التي تقوم على امتصاص السيولة من السوق والسيطرة عليها، من خلال الفوائد المرتفعة والهندسات المالية. هذه السياسات جذبت المصارف والمؤسّسات المالية للاستثمار في التوظيفات لدى مصرف لبنان على حساب التوظيفات في سندات الخزينة. وهكذا قام مصرف لبنان من جهته باستعمال السيولة المتوافرة في حوزته لشراء سندات الخزينة بنفسه، لاعباً بذلك دور الوسيط بين أدوات الدَّين العام والمصارف، ومتحمّلاً الفرق في ميزانيّته بين الفوائد السخيّة التي يمنحها للمصارف في مقابل ودائعها وتوظيفاتها في سندات الخزينة بفوائد أقل من التي يدفعها لها.
من ناحية، حاول مصرف لبنان من خلال هذه السياسة أن يضبط السيولة، سواء بالليرة اللبنانية لمنع تحوّلها إلى طلب على الدولار، أم بالدولار لزيادة احتياطي العملات الصعبة لديه. ومن ناحية أخرى، يعتبر المدافعون عن هذه السياسة أن زيادة نسبة الدَّين العام المملوكة من مصرف لبنان مباشرة ستسهم مستقبلاً في تخفيف الضغط على الدولة من الدائنين، عبر إبقاء نسبة أكبر من الدَّين بتحكّم المصرف المركزي نفسه.

لكن هذا النوع من السياسات يحمل في الوقت نفسه مخاطر عديدة؛ فبالإضافة إلى كلفة فرق الفائدة التي يتحمّلها مصرف لبنان، سيتحمّل مصرف لبنان مخاطر تقلّبات أسعار الفوائد في المستقبل. فسندات الخزينة التي يحملها مصرف لبنان اليوم تملك بطبيعتها عوائد ثابتة، بمعزل عن تقلّبات الفوائد في السوق. لكن الحفاظ على مصادر تمويل هذه العمليات، وهي توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان التي أتت بفضل الفوائد المرتفعة، تتطلّب مواكبة الفوائد في السوق وإبقاء الفوائد التي يمنحها مصرف لبنان مغرية مقارنة بها. ومن الطبيعي هنا أن يؤدّي أي ارتفاع إضافي في فوائد السوق مستقبلاً إلى تحقيق مزيد من الخسائر لدى مصرف لبنان. بالإضافة إلى ذلك، سيحمل مصرف لبنان في موجوداته مخاطر تقلّبات أسعار سندات الخزينة، إذ إن انخفاض أسعار هذه السندات سيعني حكماً التأثير على قيمة موجوداته منها.
بمعزل عن التداعيات، تأتي هذه التحوّلات كجزء من طريقة تعاطي مصرف لبنان مع التطورات على الساحة النقديّة، وهي بمجملها معالجات حاولت احتواء آثار الأزمة من جهة، والحفاظ على سلامة أدوات الدَّين العام ومصادر تمويلها لمصلحة الدائنين من جهة أخرى. وهو ما أبعد سياسات المصرف المركزي عن التعاطي مع أسباب الخلل البنيوي ومعالجتها، وخصوصاً في ما يخصّ الدَّين العام وكلفته المتعاظمة على ميزانيّة الدولة والوضع النقدي.