بداية، لا يساجل هذا التقرير فيما إذا كان القطاع العام في لبنان في حالته القائمة جيّداً أم سيئاً، ولا إذا كانت كلفته تساوي إنتاجيته، ولا إذا كانت خدماته تلبّي حاجات المجتمع اللبناني أم لا، وبالطبع لا يساجل في درجة فساد الإنفاق العام والتوظيف السياسي... فالهدف الوحيد لهذا التقرير هو دحض المزاعم الرائجة عن ضخامة هذا القطاع، أقلّه عند النظر إلى المعطيات الكمّية.

على الرغم من التحفّظات الكثيرة التي تثيرها المقارنة بين بلدان مختلفة، إلّا أن الرسم البياني المُرفق مع هذا التقرير يساعد كثيراً في إظهار حقائق موضوعية مُغيّبة كلّياً في الإعلام والخطاب السياسي المُرِّوج للتقشّف:
أوّلاً، ليس صحيحاً أن الإنفاق العام في لبنان قياساً إلى الناتج المحلّي الإجمالي هو من الأعلى في العالم، بل يأتي في أسفل قائمة بلدان مُختارة استنسابياً، يحب اللبنانيون واللبنانيات التشبّه بها أو يعتبرونها قدوة. قد تكون نسبة الإنفاق العام في لبنان، البالغة 24% من الناتج المحلّي الإجمالي (بأسعار 2017)، من الأعلى بين بلدان منهوبة ومفقّرة ودول فاشلة، ولكنّها أدنى بكثير من بلدان كثيرة، تقوم على تجارب وظروف وعوامل مختلفة، فنسبة الإنفاق العام في فرنسا مثلاً تتجاوز 55% وتصل في الدنمارك وبلجيكا إلى أكثر من 51%.
ثانياً، إن الإنفاق على الأجور ومعاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية المُخصّصة للعاملين في القطاع العام ليس مرتفعاً أبداً، إذ يبلغ في لبنان نحو 9.7% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهو أقل بكثير من الدنمارك والنروج وجنوب أفريقيا وآيسلندا والسويد وفرنسا وكندا وبلجيكا واليونان وإستونيا (على سبيل المثال لا الحصر)، إذ تتراوح النسب في هذه البلدان بين 11.2% و15.5%.


ثالثاً، يظهر أن الإنفاق الوحيد المُرتفع والضخم في لبنان هو المخصَّص لخدمة الدَّيْن العام، أي مدفوعات الفائدة، التي تبلغ 9.2% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهي أعلى بكثير من بقية البلدان المختارة، التي تتراوح فيها نسبة خدمة الدَّيْن بين 0.1% في أستونيا و3.9% في آيسلندا (على سبيل المثال).
رابعاً، إن الإنفاق الاستثماري في لبنان، أي الإنفاق على تجهيز البنية التحتية وصيانتها، متدنٍ جدّاً ولا تتجاوز نسبته 1.6% من الناتج المحلّي الإجمالي (بأسعار 2017)، علماً بأن النسبة تبلغ أكثر من الضعف في النروج والسويد وفرنسا واليونان وإستونيا.
خامساً، ليس الإنفاق العام وحده المنخفض في لبنان، بل الإيرادات العامّة أيضاً، إذ تبلغ 21.3% من الناتج المحلّي الإجمالي (بأسعار 2017)، في حين تتجاوز الـ50% في الدنمارك والنروج وفرنسا وبلجيكا، وتتجاوز نسبة الـ40% في آيسلندا واليونان وهولندا وسويسرا وألمانيا (على سبيل المثال).
سادساً، تُعتبر نسبة الضرائب المباشرة على الدخل والأرباح في لبنان من الأدنى عالمياً، إذ تبلغ 5.2% فقط من الناتج المحلّي الإجمالي، فيما تبلغ 28.7% في الدنمارك، ولا تقلّ عن 10% في جميع البلدان المختارة الواردة في القائمة، ما عدا اليونان (9%).
فما الذي تنبّهنا إليه هذه المقارنة؟ الواضح أن ما يُسمّى «أزمة مالية عامّة» في لبنان لا تكمن في حجم الإنفاق العام نفسه، أو في حجم القطاع العام وفق ما يُروِّج له البعض، بل تبدو الأزمة معكوسة هنا، إذ إن تدنّي الإيرادات العامّة، ولا سيّما إيرادات الضريبة المباشرة على الدخل والملكيّة والريوع، أسفر عن عجز مالي يتراكم منذ تسعينيات القرن الماضي. لم تستطع الضرائب على الاستهلاك تمويل العجز كلّه، وأرهقت كاهل الأسر المتوسّطة والمتدنّية الدخل. ولكن بدلاً من زيادة الضرائب المباشرة للمحافظة على توازن مالي مقبول بين حاجات الإنفاق والإيرادات المُتاحة، جرى تمويل العجز بالدَّيْن، وتراكمت مع السنوات مديونية حكومية عالية تساوي حالياً 150% من الناتج المحلّي الإجمالي (سبق أن بلغت نسبة 183% في عام 2006)، وترتب على ذلك تسديد الفوائد السنوية التي تستنزف نصف الإيرادات وتمثّل وحدها ثلث الإنفاق العام.
هذه الحلقة المُقفلة من العجز والدَّيْن، سمحت بممارسة تقشّف قاسٍ، استهدف الإنفاق الاستثماري بشكل خاص، وحدَّ كثيراً من مساهمة الإنفاق العام في النموّ الاقتصادي والتنمية، فزادت البطالة التي كان يتمّ امتصاصها بالهجرة وبالتوظيف في القطاع العام، سواء في الوظائف النظامية أو اللانظامية. في هذا الوقت، كانت الضرائب المباشرة المنخفضة والفوائد المرتفعة تلعب دوراً مهمّاً في زيادة العجز وبالتالي الدَّيْن وخدمته، فضلاً عن تركيز الدخل والثروة لدى فئة قليلة من الأثرياء والمضاربين والنافذين المترسملين.