ستُسدِّد الأسر المقيمة في لبنان، ولا سيّما الطبقة العاملة، نحو 9.1 مليار دولار في هذا العام، كضرائب على الاستهلاك والأجور ومعاشات التقاعد وتسجيل المساكن وإجراء المعاملات الإدارية، أي أكثر بنحو مليار و80 مليون دولار من العام الماضي. وستشكّل هذه «الإيرادات» نحو 72.22% من مجمل إيرادات الموازنة العامّة المتوقّعة. في حين أن الضرائب على الأرباح والأسهم والودائع مُجتمعة لن تتجاوز 3 مليارات و32 دولاراً، أي أكثر بنحو 662 مليون دولار عن العام الماضي، ولن تشكّل سوى 24% فقط من مجمل إيرادات الموازنة. أمّا الريوع والامتيازات والملكيّات والثروات والميراث فستبقى معفية أو شبه معفية من أي عبء ضريبيّ ملموس.

بلغت نفقات الموازنة والخزينة في العام الماضي نحو 17 مليار و791 مليون دولار، وفق البيانات المتوقّع إعلانها اليوم بعد تأخير غير مُبرَّر. في المقابل، بلغت إيرادات الموازنة والخزينة نحو 11 مليار و545 مليون دولار، أي إنّ مجمل العجز بلغ نحو 6 مليارات و246 مليون دولار، وما نسبته 35.11% من مجمل النفقات. وشكّل هذا العجز نحو 11% من مجمل الناتج المحلّي.


في مواجهة تنامي هذا العجز، وضعت الحكومة مشروع قانون موازنة عام 2019 وأحالته على مجلس النواب، بعد تأخير 6 أشهر عن المهل الدستورية، وقرّرت اتخاذ جملة من الإجراءات التقشّفية وزيادة الإيرادات، بهدف تخفيض العجز إلى 7.5% من مجمل الناتج المحلّي في هذا العام. فعمدت إلى تضخيم توقّعات النموّ الاقتصادي (1.2%) لتكبير حجم الناتج من 56.8 مليار دولار في عام 2018 إلى 59.6 مليار دولار في عام 2019، على الرغم من كلّ الدلائل على دخول الاقتصاد اللبناني في حالة انكماشية طويلة المدى. كما عمدت إلى تثبيت الإنفاق، فلم يتضمّن مشروع الموازنة كلّ الاعتمادات المطلوبة، إذ بلغ الإنفاق المتوقّع في الموازنة نحو 15 مليار و482 مليون دولار، يضاف إليها نحو 1.6 مليار دولار كسلفة للكهرباء ونحو 750 مليون دولار كإنفاق خزينة، أي أن مجموع إنفاق الموازنة والخزينة يُقدّر في هذا العام بنحو 17 مليار و833 مليون دولار، وهو أكثر بنحو 42 مليون دولار فقط عن العام الماضي، علماً أن الاعتمادات المطلوبة للوفاء بالتزامات الدولة، قبل تخفيضها من قِبَل وزارة المال ثمّ في الحكومة، تزيد بنحو 2.5 مليار دولار عمّا لحظه المشروع، وقد جرى التملّص من تسديد هذا المبلغ عبر مراكمة المزيد من المتأخّرات (ديون الضمان والمتعهّدين والمستشفيات والاستملاكات)، وتخفيض الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتخفيض التحويلات إلى الجمعيات والمؤسّسات الاجتماعية، وقصقصة بعض مكاسب الموظّفين والمتقاعدين، بالإضافة إلى اتفاق لم تُعلن تفاصيله يقضي بأن يقوم مصرف لبنان باستبدال نحو 11 ألف مليار ليرة من سندات الخزينة بسندات أخرى بفائدة 1%. والجدير بالإشارة أن وزارة المال اعتمدت تقديرات مشكوك بها لمعدّل التضخّم في هذا العام، إذ بلغ في مشروع الموازنة 1.7% بالمقارنة مع 6.1% في العام الماضي، علماً أن الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك في لبنان، الذي تعدِّه إدارة الإحصاء المركزي، سجّل حتى نيسان/ أبريل الماضي نسبة 4.01% على أساس سنوي.
في المقابل، عمدت الحكومة إلى زيادة الإيرادات إلى 13 مليار و351 مليون دولار، منها 12 مليار و614 مليون دولار إيرادات موازنة من دون إيرادات الخزينة، وهذا المبلغ أكثر بنحو مليار و876 مليون دولار عن إيرادات الموازنة في العام الماضي.
فمن أين قرّرت الحكومة أن تجبي هذه الإيرادات الإضافية كي تخفّض العجز؟
- المستهلكون هم الضحايا الأوائل، إذ سيتوجّب عليهم أن يسدِّدوا نحو 962 مليون دولار أكثر من العام الماضي. فقد تضمّن مشروع الموازنة فرض رسم 2% على استيراد السلع، وكذلك فرض رسم ألف ليرة على كل نرجيلة، وزيادة واستحداث العديد من رسوم الخدمات والإجازات والمعاملات. في الحصيلة، سترتفع إيرادات الضرائب والرسوم المفروضة على الاستهلاك (الضريبة على القيمة المضافة والرسوم على السلع والخدمات والرسوم الجمركية ورسوم التسجيل العقاري ورسوم المعاملات الإدارية والطابع المالي والاتصالات) من 7 مليارات و296 مليون دولار إلى 8 مليارات و258 مليون دولار، وستأتي الزيادة تحديداً من زيادة إيرادات رسوم السلع والخدمات (315 مليون دولار) والجمارك (268 مليون دولار) والمعاملات (127 مليون دولار).
- المودعون سيسدِّدون نحو 475 مليون دولار إضافية، بعد زيادة الضريبة على ربح الفوائد من 7% إلى 10%. ولا يزال معدّل هذه الضريبة منخفضاً جدّاً بالمقارنة مع الضريبة على أرباح الشركات (17%) والضريبة التصاعدية على الأجور وأرباح المهن التجارية والصناعية وغير التجارية، التي يبلغ معدّلها على الشطر الأعلى 20% و21% حالياً، ويتضمّن مشروع الموازنة اقتراحاً برفع هذا المعدّل إلى 25%. ولا تقتصر مشكلة هذه الضريبة على معدّلها المنخفض، بل أيضاً هي ضريبة غير عادلة كونها تقتطع من ربح الفوائد من دون تمييز بين الودائع الصغيرة والودائع الكبيرة، علماً أن 0.8% من الحسابات المصرفية تستحوذ وحدها على 52% من مجمل الودائع.
- الشركات والمساهمون وأصحاب العمل والمشاريع والمهن الحرّة والتجّار والحرفيون سيسدِّدون 187 مليون دولار أكثر من العام الماضي، كضرائب على الأرباح ورؤوس الأموال المنقولة (أرباح الأسهم). وسترتفع إيرادات هذه الضرائب من مليار و176 مليون دولار في العام الماضي إلى مليار و363 مليون دولار. إلّا أن نسبة ضرائب الأرباح من مجمل الناتج المحلّي لا تزال متدنّية جدّاً، ولا تتجاوز 2.2%، ولا تمثّل سوى 10.8% من مجمل إيرادات الموازنة. علماً أن التهرّب الضريبي يقدّر بنحو 2.5 مليار دولار.
- العمّال والموظّفون والمتقاعدون سيسدِّدون بدورهم نحو 118 مليون دولار إضافية، وستأتي هذه الزيادة تحديداً من إخضاع المعاشات التقاعدية لضريبة الدخل واقتطاع 3% من معاشات العسكريين المتقاعدين. وعلى الرغم من أن حصّة الأجور من مجمل الناتج المحلّي لا تتجاوز 25%، إلّا أن الضرائب عليها تساوي نصف الضرائب على الأرباح، وهذا دليل إضافي على القسمة غير العادلة بين الأجور وأرباح رأس المال.