أكّد حاكم مصرف لبنان في لقائه الشهري مع جمعيّة المصارف أن المصارف غير قادرة على «تحمّل الاكتتاب بفوائد خارج آليّات السوق»، وذلك ردّاً على سؤال عن إصدار سندات خزينة بالليرة اللبنانية بفائدة 1%، والذي أعلن عنه سابقاً وزير المال علي حسن خليل. كان هذا التصريح كافياً للدلالة بشكل حاسم على تشدُّد الحاكم في منع أي مسّ بكتلة أرباح المصارف المتأتية من خدمة الدَّيْن العام، بمعزل عن مصير الاكتتاب نفسه الذي قد يتمّ عبر استحواذ مصرف لبنان على السندات ونقل خسارة الفوائد المُنخفضة إلى ميزانيّته. ومع ذلك، كان مجرّد طرح احتمال مشاركة المصارف في الاكتتاب كافياً لاستفزاز وكالة «موديز» الائتمانية، التي اعتبرت في تقرير خاصّ عن الموضوع أن هذا الاكتتاب سيكون حدثاً ائتمانياً سلبياً للمصارف التي ستشارك به، حيث ستزداد حدّة الضغوط على ربحيّتها.

صحيح أن المصارف شهدت في الفترة الماضية ارتفاعاً في كلفة فوائد الودائع لديها، وهو ما غذّاه التسابق المحموم على استقطاب الودائع لتوظيفها في الهندسات المالية ذات المردود المُرتفع لدى مصرف لبنان. وهذا ما اعتبره التقرير عاملاً يزيد الضغوط التي تتعرّض لها المصارف في الفترة الأخيرة. مع العلم أن ارتفاع الفوائد أدّى فعلاً إلى الحدّ من متوسّط العائد على الموجودات لديها (أي نسبة الأرباح من إجمالي الموجودات)، لكن ذلك لا يعني أن المصارف كانت تتكبّد أي خسائر خلال هذه الفترة، بما يمكن أن يؤثّر على الملاءة أو حجم أموالها الخاصّة وغيرها من المؤشّرات المُتعلّقة بالمخاطر الائتمانية الخاصّة بها.


وبينما تركّز موديز على أثر الارتفاع الأخير في الفوائد، تتجاهل كلّياً الارتفاع الهائل في نسبة الأرباح التي كانت تجنيها المصارف من المال العام خلال السنوات الثلاث الماضية، بفعل تبعات الأزمة نفسها، من خلال ارتفاع عوائد توظيفاتها في مصرف لبنان (مثّلت 52% من مجمل موجوداتها لغاية نهاية 2018)، وارتفاع الفوائد على سندات الخزينة اللبنانية (تمثّل 12% من موجوداتها)، وهو تحديداً ما يدلّ على الفرص التي استفاد منها القطاع المصرفي خلال الأزمة من دون أن يتحمّل حتّى الآن أيّ جزء مُعتبر من المعالجات المُتعلّقة بها.
مصرف لبنان يمتنع عن نشر تفاصيل العوائد التي يقدّمها في مقابل كلّ بند من توظيفات المصارف لديه، ويكتفي بنشر متوسّط العائد بشكل عام لودائع المصارف بالدولار الأميركي لديه. مع العلم أن هذا المتوسّط يشمل مثلاً الاحتياطي الإلزامي للمصارف التي تنال عليه فوائد متدنيّة تتراوح بين 2% و3% (لا يُفترض أن تنال عليه أي فوائد)، ويمكن لاستثناء هذا البند تحديداً أن يُظهر نسباً أعلى بكثير لعوائد المصارف من توظيفاتها الأخرى في مصرف لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية.
ومع ذلك، تُظهر الأرقام التي ينشرها مصرف لبنان أن متوسّط العائد على توظيفات المصارف بالدولار لديه ارتفع تدريجياً، وبفضل الهندسات المالية، من 2.83% في كانون الثاني/ يناير 2016 ولغاية 6.02% في شهر شباط/ فبراير الماضي. وبالتالي تكون المصارف قد رفعت خلال السنوات الثلاث من متوسّط عوائد توظيفاتها لدى المصرف بنسبة 213%، على الرغم من أن هذا المتوسّط يشمل الفوائد المُنخفضة على الاحتياطي الإلزامي. وخلال السنوات الثلاث، ساهم هذا الارتفاع (بالإضافة إلى ارتفاع فوائد قروض القطاع الخاص) في رفع متوسّط عوائد المصارف على مجمل توظيفاتها بالدولار من 4.66% في بداية 2016 إلى 6.5% لغاية شهر شباط/ فبراير الماضي.
تختلف هذه الصورة جذريّاً عن الصورة التي عرضها تقرير «موديز» عن القطاع المصرفي بوصفه أحد ضحايا الضغوط المالية في الأسواق، من دون أن يكون مستفيداً أو لاعباً أساسياً في إطار الإجراءات التي تمّ اتخاذها حتّى الآن. إنّما في المحصّلة، تعبّر «موديز» من خلال تقريرها عن أولويّات ومصالح واضحة، تدفع الوكالة إلى التحذير من أي مسّ بالبند المُتعلّق بخدمة الدَّيْن في ميزانيّة الدولة، حتّى لو لم يتمّ الإعلان بعد عن صيغة تمويل سندات الخزينة بفائدة 1%. ومن المُحتمل أن يكون التقرير نفسه محاولة للتأثير على الصيغ المُحتملة لتمويل هذه السندات، لتجنيب المصارف هذا النوع من التوظيفات، خصوصاً أن تحذير «موديز» كافٍ للضغط على مراكز القرار بشكل مؤثّر.