لم تعد أزمة تغيّر المناخ مجرّد شعار موسمي تطلقه الجمعيات والمنظّمات البيئية من فترة إلى أخرى. فمن اقتراح عضو الكونغرس الأميركي أوكازيو كورتيز والسيناتور إيد ماركي في الولايات المتّحدة الأميركية حول «الاتفاق الأخضر الجديد» (New Green Deal)، إلى انتخابات الاتحاد الأوروبي الأخيرة التي أفرزت أصواتاً «خضراء»، إلى احتشاد مئات الآلاف من المتظاهرين في لندن أثناء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة المتّحدة للتنديد بتصريحاته المُستخفّة بالتغيّر المناخي، كلّها أحداث تدلّ على أن الأخير أصبح جزءاً لا يتجزّأ من استراتيجيّات الدول والحملات السياسية للعقود المُقبلة. حتّى كبرى شركات النفط العالمية التي عادة تفضّل تكديس الأرباح وزيادة رأس المال في أسرع فترة استثمارية مُمكنة، غير آبهةٍ بالتداعيات البيئية، أصبحت تحوّل جزءاً غير قليل من استثماراتها نحو الطاقات المُتجدّدة، ولا سيّما تلك التي تؤمّن أجواء استثمارية لا تقلّ ربحيّة عن النفط والغاز.

لم تعد المخاطر البيئية وحدها التي تحفّز زيادة الاهتمام بالطاقة المُتجدِّدة، بل أصبح هناك المزيد من الأدلّة على وجود «جدوى اقتصادية» أيضاً، وهو ما أظهرته دراسة الوكالة الدولية للطّاقة المُتجدّدة IRENA حول أسعار الطاقات المُتجدِّدة لعام 2018. ترتكز هذه الدراسة إلى خزّان معلومات وأسعار لنحو 17 ألف مشروع طاقة مُتجدِّدة حول العالم، بمجموع طاقوي يوازي 1,700 غيغاواط ويغطِّي نصف المشاريع الموضوعة على الشبكة في عام 2018.


شملت الدراسة مصادر الطّاقة المُتجدِّدة التالية: الطاقة الشمسية الفوتوفولطائية (Solar PV)، الطاقة الشمسية المُركّزة (CSP)، طاقة الرياح على البرّ، طاقة الرياح في البحر، الطاقة الكهرومائية (Hydropower)، الطاقة الحيوية (Bioenergy) والطاقة الحرارية الأرضية (geothermal). وخلصت إلى استنتاجٍ محوري مفاده أن كلّ أسعار مبيع الكهرباء المُنتجة من الطاقات المُتجدِّدة انخفضت في عام 2018، وأنه في معظم بلدان العالم، أصبحت أسعار هذه الطاقات الأدنى والأرخص بين مصادر إنتاج الطاقة المتوافرة بالمقارنة مع الوقود الأحفوري. الاستنتاج الآخر المهمّ هو أن طاقتي الرياح على البرّ والشمسية الفوتوفولطائية (وهما مصدران مُتاحان في لبنان ومعظم بلدان المنطقة) ستشكّلان بدءاً من عام 2020 أرخص مصدرين للطاقة الكهربائية بالمقارنة مع كلّ مصادر الوقود الأحفوري البديل والمنافس، ومن دون أي محفّزات مالية على صعيد صنع السياسات، وهو واقع سيستمرّ من عام 2020 وصاعداً، مستفيداً من عوامل عدّة أبرزها: التطوّر التكنولوجي في تصنيع المعدّات ما ينعكس على كلفة التركيب الإجمالية، التنافسيّة في تأمين المعدّات بأرخص الأسعار، وانخفاض مخاطر التمويل ما ينعكس على كلفة الاستثمار.
تُظهر أرقام بنك المعلومات عن المشاريع التي ستوضع على الشبكة في عام 2020 أن 83% من مشاريع الطاقة الشمسية الفوتوفولطائية ستكون أرخص من سعر الكلفة التشغيلية لنحو 700 غيغاواط (700 ألف ميغاواط) من الطاقة المُنتجة من الوقود الأحفوري، وبمتوسط سعر مبيع أو إنتاج يبلغ 4.8 سنت/ كيلواط ساعة. كما أن 77% من مشاريع طاقة الرياح على البرّ ستكون أرخص من سعر الكلفة التشغيلية لنحو 900 غيغاواط (900 ألف ميغاواط) من الطاقة المُنتجة من الوقود الأحفوري، وبمتوسّط سعر مبيع أو إنتاج يبلغ 4.5 سنت/كيلواط ساعة.
يتوقّع التقرير أيضاً أنه بحلول عام 2020، سيتمّ استبدال نحو 40% من معامل الإنتاج العاملة على الفحم الحجري بطاقات مُتجدِّدة من المصادر الستة المذكورة أعلاه. ففي 2018 وحدها، تمّ وضع نحو 60 غيغاواط جديدة من معامل إنتاج الطاقة الشمسية الفوتوفولطائية بمعدّل كلفة إنتاج عالمية توازي 8.5 سنت/ كيلواط ساعة، أي 13% أقل من أسعار 2017، و77% أقل من أسعار ما بين 2010 و2018. من ناحيتها، بلغت طاقة معامل الإنتاج من الرياح على البرّ نحو 45 غيغاواط في 2018 بمعدّل كلفة إنتاج عالمية توازي 5.6 سنت/كيلواط ساعة، أي 13% أقل من أسعار 2017.
أضف إلى ذلك، يتبيّن من خلال الرسم البياني أعلاه أنه منذ 2010 وحتى 2018، أصبح معدّل كلفة الإنتاج العالمية (Global LCOE) للطاقات الحيوية (6.2 سنت/كيلواط ساعة)، الحرارية الأرضية (7.2 سنت/كيلواط ساعة)، الكهرومائية (4.7 سنت/كيلواط ساعة)، الرياح في البرّ (5.6 سنت/كيلواط ساعة) وفي البحر (13 سنتاً/كيلواط ساعة)، في حين تتراوح كلفة إنتاج الطاقة من الوقود الأحفوري بين الحدّين الأقصى والأدنى، 4.9 – 17.4 سنت/كيلواط ساعة، وفق البلد ونوع الفيول المُستخدم، من دون القدرة بعد على تخطِّيها وكسر الأسعار الدنيا. فيما الطاقة الشمسية الفوتوفولطائية تمكّنت من المنافسة بدءاً من عام 2014، في حين لا تزال الطاقة الشمسية المُركّزة تحتاج لبضع سنوات لتتمكّن من دخول مروحة الأسعار التنافسية.

رؤية 2050 للتحوّل الطاقوي
انطلاقاً من كلّ ما تقدّم، يظهر جليّاً أن الاعتماد على الطاقات المُتجدّدة لإنتاج الكهرباء وتنافسيّتها المتزايدة سيخفِّف حكماً من فاتورة التوسّع الرأسمالي على حساب البيئة والصحّة، كما من الضغط على ميزان المدفوعات من خلال ضخّ السيولة في الأسواق الداخلية وخلق فرص العمل. ففي دراسة أخرى لوكالة IRENA حول خارطة الطريق للتحوّل الطاقوي لعام 2050، والتي تهدف إلى تحقيق مُقرّرات قمّة باريس لتغيّر المناخ في 2015 وإبقاء ارتفاع حرارة الأرض تحت معدّل درجتين مئويّتين، يتوقّع الباحثون أن ترتفع الاستثمارات في مجال الطاقة بنحو 30%، من 93 ألف مليار دولار اليوم إلى نحو 120 ألف مليار في 2050، شرط أن يتزامن ذلك مع ارتفاع استخدام الطاقات المُتجدّدة بنحو 6 أضعاف عن حاجات اليوم، وفق الأولويات التالية:
* وضع الطاقة المُتجدّدة وكفاءة الطاقة في سلّم أولويّات صنع السياسات الطاقوية والعمل على مجالات التّداخل بينهما.
* تصميم قطاع الطاقة في كلّ دولة لتكون نسبة الطاقات المُتجدّدة من مجمل مصادر الطاقة الأولية فيه هي الأعلى، فترتفع من 15% في 2015 إلى نحو 66% في 2050.
* الاعتماد أكثر على الكهرباء من الطاقات المُتجدّدة في قطاعات النقل والصناعة والبناء.
* تكوين سياسات استثمارية وأنظمة اقتصادية - اجتماعية تواكب هذا التحوّل الطاقوي من خلال الاستفادة من آثارها المتوقّعة على الناتج المحلّي (GDP)، فرص العمل والمستوى الاجتماعي للفرد.


* باحث في مجال الطاقة - معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت