منذ عام 2016 ولغاية تموز/ يوليو من العام الماضي، تمكّنت المصارف اللبنانية من توسيع هامش أرباحها، نتيجة ارتفاع الفارق بين معدّلات الفوائد التي تدفعها على الودائع من جهة، ومعدّلات العوائد التي تقبضها من توظيف هذه الأموال من جهة أخرى.

نتج هذا الهامش الواسع تحديداً من معدّلات الربح المرتفعة والاستثنائية، التي جنتها المصارف في الفترة المذكورة، من توظيفاتها لدى مصرف لبنان، ولا سيّما الهندسات المالية، وكذلك من رفع أسعار الفوائد على القروض بنسبة أعلى من نسبة ارتفاع الفوائد على الودائع. وفي الحصيلة، ارتفع الفارق (الهامش) بين متوسط الفوائد المدفوعة على الودائع ومتوسط العوائد من التوظيفات بالدولار الأميركي من 1.49% في تموز/ يوليو 2016 إلى 2.04% في تموز/ يوليو 2018.
لكن اعتباراً من آب/ أغسطس من العام الماضي، أخذ هذا الهامش يضيق، وانخفض الفارق بين فوائد الودائع وعوائد التوظيفات بالدولار من 2.04% إلى 0.92% في آذار/ مارس. في حين انخفض الفارق بالليرة اللبنانية من 0.78% إلى حدود 0.31% في الفترة نفسها.
يتمّ استعمال هذا المؤشّر للدلالة على ضغوط تتعرّض لها ربحية المصارف من ناحية بنية الفوائد في السوق، فما الذي حدث؟ وهل المصارف هي الضحية هنا سواء من جهة الأسباب أو من جهة النتائج؟


في الواقع، أطلقت الهندسات المالية سباقاً بين المصارف اللبنانية لتوسيع قاعدة توظيفاتها لدى مصرف لبنان، طمعاً بتحقيق العوائد السخيّة الممنوحة على هذه التوظيفات، وشهد القطاع المصرفي تنافساً محموماً بين المصارف على جذب الودائع. وفي سبيل ذلك، عمدت إلى رفع أسعار الفوائد الممنوحة على الودائع كأداة أساسية لاستقطاب المزيد منها. وأسفر ذلك عن ارتفاع مُتسارع في متوسط الفوائد الممنوحة على الودائع، وهو ما أدّى تدريجياً إلى تقليص الهامش بين نسبة الكلفة التي تدفعها المصارف ونسبة العائد التي تجنيها. وقد تبيّن لجمعية المصارف سريعاً أثر هذا التسابق على أرباح المصارف في المستقبل، ولذلك حاولت في شهر شباط/ فبراير الماضي التحذير من هذا التطوّر، وعقدت اتفاقاً بين المصارف لوضع سقف أقصى للفوائد الممنوحة على الودائع، لكن المصارف لم تلتزم لاحقاً ببنود الاتفاق وتابعت الفوائد مسارها التصاعدي. وبالتالي، نتج تقلّص الهامش خلال الأشهر التسعة الماضية عن قرارات تنافسية تورّطت بها إدارات المصارف نفسها بتشجيع من مصرف لبنان.
من ناحية النتائج، يُتوقّع أن يكون أوّل المتضرّرين من تقلّص هذا الهامش هم المقترضون الحاليون والمحتملون، إذ إن المصارف تعتمد في تحديد معدّلات الفوائد المتحرّكة على معدّل مرجعي تضعه بنفسها (الفائدة المرجعية في سوق بيروت)، ومن المنتظر أن تسعى في الفترة المقبلة إلى رفع فوائد القروض لإعادة الهامش إلى مستوياته السابقة وحماية أرباحها. وقد ظهرت ملامح ذلك من خلال ارتفاع معدّل الفائدة على القروض بالدولار الأميركي من 7.5% في تموز/ يوليو الماضي إلى 9.72% في حزيران/ يونيو الجاري، وارتفاع معدّل الفائدة على القروض بالليرة من 10.7% إلى 13.38%. مع العلم أن هذا الارتفاع في الفوائد المرجعية سيطال كلّاً من القروض الممنوحة حالياً - بفوائد متحرّكة - والقروض التي سيتمّ منحها في المستقبل وفق الفوائد الجديدة.
بالإضافة إلى كلّ ذلك، سيكون لهذا التقلّص في الهامش أثر مباشر على شهيّة المصارف للتسليف التقليدي للقطاع الخاص، خصوصاً أنّ هذا الهامش والأرباح الناتجة منه هو الذي يدفع المصارف إلى تحمّل مخاطر هذه العمليّات مقارنة بالتوظيفات المضمونة في مصرف لبنان، والتي تتمتّع أساساً بفوائد سخيّة. وفي ظلّ الركود السائد في الأسواق اليوم، سيكون لذلك أثر كبير على الوضع الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
في الخلاصة، لا يبدو أن المصارف كانت الضحية على مستوى تقلّص هذا الهامش من جهة العوامل المُسبّبة، بل كانت الخطوات التي قامت بها أخيراً العامل الأساس الذي دفع باتجاه هذا المسار. كما لا يبدو أنها ستكون ضحيّة على مستوى النتائج، خصوصاً مع امتلاكها القدرة على التحكّم بالفائدة المرجعية وتحديد اتجاهات أسعار الفوائد على القروض. وبالتالي، من غير المنطقي استعمال هذا المؤشّر كحجّة للدلالة على ضغوط تتعرّض لها ربحيّة المصارف، ولا سيّما عند الحديث عن الضرائب، كرفع الضريبة على الفوائد مثلاً. فالوقائع لا تزال تفيد أن أرباح المصارف مرتفعة وأنها قادرة على توسيع الهامش مجدّداً بين فوائد الودائع وفوائد القروض بما يؤمّن مصالحها.