بمعزل عن أهمّية مصدر وديعة الـ1.4 مليار دولار والعملية المُتّصلة بها، التي أعلن عنها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الأسبوع الماضي، فهي قبل أيّ شيء آخر تعكس تطوّراً جديداً في العمليات غير التقليدية الجارية لجذب الدولارات ووضعها بتصرّف البنك المركزي. قال سلامة إن هذه العملية رفعت «احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية (من دون الذهب) من 37.2 مليار دولار في منتصف آب/ آغسطس إلى 38.6 مليار دولار في الشهر نفسه، مشيراً إلى أن هذه الزيادة نتجت من «تدفّق ودائع مباشرة إلى مصرف لبنان، من القطاع الخاصّ غير المقيم (وليس من دول أو جهات دولية)، ما يعكس ثقة المودعين ويعزّز الثقة بالليرة اللبنانية ويساهم في خفض العجز في ميزان المدفوعات».

ثمّة ما يستدعي التدقيق في هذا الإعلان: فالودائع هي ديون ويترتّب عليها كلفة، ومصرف لبنان لا يملك هذا الاحتياطي في الواقع، وما هو موجود بتصرّفه فعلياً يقلّ عن نصف الموجودات التي يعلن عنها، ووفق التقديرات المختلفة فإن الاحتياطي الصافي لدى مصرف لبنان هو سلبي منذ سنوات عدّة، أي أن الالتزامات المتوجّبة عليه هي أعلى من موجوداته بالعملات الأجنبية، أو بمعنى أوضح، فالبنك المركزي مديون صافي بالعملات الأجنبية.
وفق أرقام مصرف لبنان، المنشورة على موقعه، بلغت قيمة الموجودات الخارجية في حزيران/ يونيو الماضي نحو 36.4 مليار دولار أميركي، من بينها 29.75 مليار دولار فقط موجودات بعملات أجنبية، في حين أن 6.65 مليار دولار هي توظيفات في الأوراق المالية (تشمل سندات اليوروبوند اللبنانية مثلاً!). علماً أن الموجودات بالعملات الأجنبية كانت تبلغ نحو 35 مليار دولار في مطلع عام 2017، وواصلت انحدارها في ظلّ «الهندسات المالية» المُكلفة.


في الإعلام، وفي تصريحات حاكم مصرف لبنان، يتمّ الخلط المقصود بين الموجودات الخارجية، أو الموجودات بالعملات الأجنبية، وبين الاحتياطي الصافي. ففي الواقع، لا يملك البنك المركزي أي احتياطي خاصّ به بالعملات الأجنبية، وإنّما ما يملكه من موجودات هو ديون متوجّبة عليه للمصارف. فوفق تقديرات بعثة صندوق النقد والبنك الدولي لتقييم القطاع المالي في لبنان، كان الاحتياطي الصافي الخاصّ بمصرف لبنان سلبياً بنحو 4.7 مليار دولار في عام 2015، وقام الاقتصادي توفيق كسبار بتقدير الاحتياطي الصافي السلبي بنحو 12.8 مليار دولار في عام 2017، وقدّرته وكالة «فيتش» بنحو 32.2 مليار دولار حالياً.
مهمّة مصرف لبنان الرئيسة هي ضمان استمرار عمل آلية تمويل النموذج الاقتصادي القائم. تعمل هذه الآلية ببساطة على استقطاب كمّية من الدولارات سنوياً تكفي لتمويل عجز الحساب الجاري، ولا سيّما فاتورة الاستيراد، والسعي لتحقيق فوائض في ميزان المدفوعات تسمح بزيادة الاحتياطات بالعملات الصعبة، كعامل «ثقة» في سياسة تثبيت سعر الصرف. إلّا أن هذه الآلية تتّسم باختلالات خطيرة، فمنذ عام 2011 يسجّل صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي (الذي يعبّر عن وضعية ميزان المدفوعات) عجوزات سنوية مُتتالية، نتيجة خروج العملات الأجنبية من لبنان بكمّيات أكبر من الداخلة إليه، ما يُجبر البنك المركزي على تمويل هذه العجوزات من الموجودات لديه بالعملات الأجنبية. في هذا السياق، لجأ مصرف لبنان إلى جذب ودائع المصارف - وبالتالي المودعين - إليه، ما رتّب عليه التزامات أو ديوناً بالعملات الأجنبية.
شكّل الاحتياطي الصافي السلبي لمصرف لبنان سبباً رئيساً لتخفيض التصنيف الائتماني من قِبل وكالة «فيتش». قدّرت الوكالة مجمل التزامات البنك المركزي لصالح المصارف الخاصة بالعملات الأجنبية بنحو 62 مليار دولار، من بينها نحو 19 مليار دولار احتياطي إلزامي مفروض على المصارف الخاصة. ووفق إحصاءات مصرف لبنان، فإن موجوداته بالعملات الأجنبية لم تكن تبلغ في الفترة نفسها (حزيران/ يونيو 2019) سوى 29.8 مليار دولار، أي أن عليه 32.2 مليار دولار أكثر ممّا معه.
وفقاً لوكالة «فيتش» نفسها، تشكّل هذه النتيجة السلبية عامل ضاغط على النظام المصرفي في حال تسارع طلب المصارف الخاصة في المستقبل على ودائعها بالدولار لدى مصرف لبنان. وقد يحدث هذا السيناريو ببساطة في حال حصول تدهور إضافي في ثقة المودعين نتيجة التداعيات التي تتركها الأزمة الحالية.
لا يعلن مصرف لبنان عن الاحتياطي الصافي لديه، وهو يعتبر أن كل دولار موضوع بتصرّفه، مهما كانت طبيعته، هو احتياطي قابل للاستخدام في أوقات الحاجة أو الأزمات، إلّا أن وكالة «ستاندرد آند بورز» تدحض هذه المقاربة، وتقدّر أن الاحتياطي القابل للاستخدام فعلياً تراجع من 29.8 مليار دولار عام 2013 إلى 19.15 مليار دولار في هذا العام، وتتوقّع أن يواصل انخفاضه إلى 16.7 مليار دولار في السنة المقبلة. وعملياً، يمكن القول إن المستوى الحالي لاحتياطي العملات الأجنبية القابلة للاستعمال لا يكفي لتغطية سنة من الواردات وفق حجم البضائع المستوردة السنة الماضية.