تشير إحصاءات مصدرها جمعية المصارف، إلى أن مجموع الأموال بالعملات الأجنبية (دولارات) التي وظّفتها المصارف لدى مصرف لبنان بلغ 76 مليار دولار في نهاية 2019 مقارنة مع 18 ملياراً في 2010. خلال عشر سنوات ازدادت هذه التوظيفات بقيمة 58 مليار دولار، وتضاعفت أكثر من أربع مرّات حتى باتت توازي 130% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع 46.8% من الناتج في 2010. كذلك، فإن هذه التوظيفات كانت توازي 15.6% من مجمل موجودات المصارف، وارتفعت في 2016 إلى 25% ثم بلغت 35% في نهاية 2019، وبلغت نسبتها إلى الودائع بالدولار 29% في 2010، و40% في عام 2016، و63% في عام 2019.


ماذا تعني هذه الإحصاءات؟
تشير هذه الإحصاءات إلى أمر واحد: المصارف واظبت على عملية التوظيف هذه بوتيرة متزايدة وبمعدل سنوي وسطي يبلغ 5.8 مليارات دولار. مسار هذا التوظيف بقي مجهولاً لفترة طويلة بهدف إخفاء حقيقة ما حصل لودائع الناس. إبقاء الحقيقة قيد الكتمان أو تجهيل وقائع التوظيف ونتائجه، هو سلوك مارسه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف بالتضامن والتكافل من أجل منع حصول أي نوع من أنواع المساءلة والمحاسبة. منع مساءلة المصارف عن سوء الائتمان وسوء الإدارة والغشّ مع المودعين، ومنع محاسبة المسؤولين في مصرف لبنان (حاكم، مجلس مركزي، مديري العمليات...) والأجهزة التابعة له كافة (لجنة الرقابة على المصارف، هيئة الأسواق المالية، الهيئة المصرفية العليا...) عن سوء الائتمان والإدارة الفاشلة للقطاع المصرفي؛ فبدلاً من أن تضع حدوداً واضحة للمصارف وجشعها، لعب مصرف لبنان والأجهزة التابعة دوراً في تشجيعهم على ممارسة الغشّ وسوء الائتمان وصولاً إلى اقتراض الأموال منهم بهدف إقراضها للخزينة، مع علمها، أي علم المصارف ومصرف لبنان، بأن إقراض الدولة سيؤدي إلى تبخّر قسم من هذه الأموال إن لم يكن كلّها.


فمن أصل مبلغ 76 مليار دولار أقرضته المصارف لمصرف لبنان بالعملات الأجنبية، تكشف ميزانية هذا الأخير أن لديه احتياطيات بالعملات الأجنبية بقيمة 29.5 مليار دولار، ما يعني أن الفرق بينهما هو 46.5 مليار دولار. أين ذهبت هذه الأموال؟ مسؤولية تبخّر هذه الأموال تقع بالدرجة الأولى على المصارف وعلى مصرف لبنان. فهما، بالتكافل والتضامن، نفذا عمليات أدّت إلى انتقال الودائع من أمانة عند المصارف إلى أمانة عند مصرف لبنان. وهذا الانتقال لم يكن ليصبح واقعاً من دون رغبة المصارف ومصرف لبنان بالاتفاق في ما بينهما، ولم تكن لتستمرّ طوال هذه السنوات من دون أن تكون هناك سياسة واضحة من مصرف لبنان كونه الجهة المسؤولة عن تنظيم القطاع المصرفي، ولم تكن لتصبح واقعاً لو لم يقم بها الطرفان بشكل مقصود وعن علم ودراية لأهدافها ونتائجها.
فهما جهتان تدّعيان الاحتراف في العمل المالي؛ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نال العديد من الجوائز وزرع صورها في وسائل الإعلام، والمصارف لطالما زعمت أنها نخبة النخبة بين القطاعات الاقتصادية المحلية والإقليمية، وأنها هي من يدير الاقتصاد، وأنها أكبر مساهم في تسديد الضرائب وأكبر صاحب عمل في لبنان، وسواها من الكليشيهات التي أنفق على تسويقها ملايين الدولارات في السنوات الماضية.
هذا الأمر يثير السؤال الآتي: لماذا استمرّت المصارف في توظيف الأموال لدى مصرف لبنان؟ وأين أنفقها هذا الأخير؟
خلافاً لما كان يجب أن يحصل، فإن المصارف ومصرف لبنان عزّزا عملية التبادل هذه مع ظهور ملامح الأزمة في 2016. فالإحصاءات تشير إلى أن المصارف أودعت لدى مصرف لبنان 14 مليار دولار إضافية في 2016، وأودعت 11 مليار دولار إضافية في 2017، و6 مليارات دولار في 2018 و8 مليارات دولار في 2019. هذه الأموال أتت بها المصارف من سيولتها في الخارج، أو من كبار المودعين الجشعين الذين حصلوا على إغراءات بالفوائد المرتفعة وبمنتجات مالية سمّيت هندسات مالية نفذها مصرف لبنان مع المصارف... المصارف وكبار المودعين حققوا أرباحاً طائلة من هذه الاموال، لكنهم مع بدء موجة الهلع في السوق وفقدان ثقة الزبائن الذين تهافتوا على سحب ودائعهم، بدأوا يشيرون إلى أن مصرف لبنان هو الذي حصل على الأموال وعليه أن يعيدها لنا حتى نتمكن من تسديد أموال الزبائن.
اليوم أتى وقت الحساب. عملياً، لم تتبخّر الأموال في الهواء، بل أُنفقت. هي موجودة على الورق وعلى شاشات الكومبيوتر، لكن مقابلها لم يعد هناك سوى سلع مستهلكة وحسابات على الورق... المصارف يجب أن تدفع للزبائن، ومصرف لبنان يجب أن يدفع للمصارف، والخزينة يجب أن تدفع لمصرف لبنان، هذه الـ46 مليار دولار ليست سوى جزء مما تبخّر... المحاسبة أولّ الإصلاح.

تابع صفحة «ملحق رأس المال» على فايسبوك