انغمس اللبنانيون في الحجر المنزلي لتعطيل انتشار فيروس «كورونا». سلوك يتطلّب تعطيلاً اقتصادياً واجتماعياً يأتي فوق «تفليسة» لا قعر لها واضح حتى الآن. باتوا يعملون ويتعلّمون من المنزل. هو المنزل نفسه حيث يترفّهون أيضاً. الأداة الوحيدة المتاحة هي شبكة الانترنت. بحسب إحصاءات أوجيرو، فإن استهلاك الانترنت في لبنان ازداد بنسبة 25%، وبات الاستهلاك من الوحدات السكنية 85% مقارنة مع 50% للوحدات السكنية ومثلها للوحدات التجارية قبل «كورونا»، فيما ازداد استهلاك الانترنت عبر «نيتفليكس» بنسبة 90%، وعبر «فايسبوك» بنسبة 32.6%، وعبر «يوتيوب» بنسبة 21.8%، وسواها من أدوات الحجر المنزلي التي باتت تشكّل الرابط الأساسي للبنانيين مع العالم خارج المنزل. نحو مليون تلميذ بات مفروضاً عليهم التعلم عن بعد بدلاً من الذهاب يومياً إلى 2860 مدرسة.



عندما فرض «كورونا» تعطيل غالبية النشاطات الاقتصادية في لبنان، لم يكن عدّاد الخسائر الناجمة عن الإفلاس المالي والانهيار النقدي قد توقّف بعد. ما عُرف أن خسائر الإفلاس ضخمة وتكمن المشكلة في توزيعها: من يحملها؟ بأي آليات؟ على أي مدى زمني؟ أسئلة ما زالت بلا أجوبة قبل أن يطغى عليها الوباء العالمي (جائحة) «كورونا». فمنذ منتصف شباط الماضي، استحوذ هذا الفيروس على كل النقاش المتعلّق بالإجراءات التي اتُّخذت أو ستُتخذ من أجل مكافحة انتشاره، وإغلاق الحدود، وإعلان حالة الطوارئ العامة، أو التعبئة العامة والفرق بينهما، وقدرة النظام الصحي على استيعاب أعداد المصابين، ونظام تتبّع المرضى واختلاطهم وعددهم اليومي، وتسعيرة فحص كورونا في المستشفيات الخاصة... وحقائق أخرى عن الفيروس من أبرزها سباق الدول على اختراع لقاح أو اكتشاف دواء، وصراعات الدول الأعضاء في التكتل الأوروبي، ونزاعات حكام الولايات في أميركا حيث يندلع نقاش هائل عن قدرة النظام الصحي على استيعاب الأعداد وخيار ترك المسنّين يموتون كما حصل في إيطاليا.
كل هذا النقاش بدأ في 21 شباط مع تأكيد أول حالة «كورونا» في لبنان. في نهاية شباط أُغلقت المدارس والجامعات كافة في لبنان، ثم تقرّر في 11 آذار، إغلاق المقاهي والمطاعم والنوادي الرياضية والمراكز السياسية. وفي 15 آذار أُعلنت التعبئة العامة لأسبوعين وإغلاق كل المؤسسات مع استثناءات، والأسبوع الماضي مُدّدت فترة التعبئة لأسبوعين آخرين. التقديرات تشير إلى أن فترة التعبئة والحجر المنزلي قد تمتدّ لنحو 3 أشهر تبعاً لما تقتضيه ظروف الانتشار واكتشاف لقاح أو دواء أو تبيان مدى أثر الحرارة على الفيروس... أياً يكن المدى الزمني لهذه الفترة، فهي تنطوي على «تعطيل» غالبية النشاطات الاقتصادية وستكون نتائجها كارثية. كانت التقديرات قبل حلول «كورونا» في لبنان، أن يتقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8% في عام 2020، لكن وزارة المال عدّلت توقّعاتها لتصبح نسبة التقلص المرتقبة 12% في عام 2020. تأتي هذه النسبة بعد انكماش في الناتج بنسبة 6.9% لعام 2019، وانكماش بنسبة 1.9% في عام 2018. الناتج المحلي الإجمالي انخفض من 55 مليار دولار في عام 2018 إلى 34 مليار دولار في عام 2020. هذا يعني أن اقتصاد لبنان سيفقد 21 مليار دولار من النشاطات الاقتصادية التي ستترجم مزيداً من البطالة والفقر والهجرة (إذا كانت الهجرة متوافرة) وخصوصاً أن التضخم سيبلغ 27.1% في عام 2020.
ما يبدو أسوأ اليوم سيكون كارثياً في الأيام المقبلة. فبحسب إدارة الإحصاء المركزي، سُجّل في عام 2018 ارتفاع نسبة الفقراء إلى45% من المقيمين من ضمنهم 22% يعيشون في فقر مدقع، فيما معدلات البطالة بين الشباب في عمر 15 عاماً و24 عاماً تبلغ 23.3%...