قرّر مجلس المديرين التنفيذيين في صندوق النقد الدولي الموافقة على توزيع 650 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة أو ما يسمى SDR، على الدول الأعضاء. بالنسبة إلى لبنان، يأتي خبر كهذا، وإن لم يصبح قراراً نهائياً بعد، بل يتطلب سلسلة إجراءات وموافقات أعلى مستوى في الصندوق، في ظلّ أزمة خانقة وحاجة ملحّة إلى الدولارات الحقيقية الطازجة الآتية من الخارج. هي فرصة بالنسبة إلى مصرف لبنان من أجل تعزيز احتياطاته بالعملات الأجنبية، وهي فرصة بالنسبة إلى الخزينة اللبنانية من أجل تعزيز سيولتها بالعملات الأجنبية لتغطية النفقات المترتّبة عليها، وهي فرصة بالنسبة إلى المجتمع اللبناني من أجل تمويل عجز الحساب الجاري. لكن كيف ستُستعمل هذه الأموال التي تُقدر قيمتها بنحو 850 مليون دولار؟ في الواقع، لا إجابة حتى الآن بانتظار أن يصبح القرار نهائياً وأن يُمنح لبنان حقّ السحب من هذه الأموال من دون شروط أو عراقيل. لكن قد تكون هذه الأموال فرصة للبنان إذا أحسن استخدامها. يمكن استعمالها لتحفيز الاقتصاد من خلال تمويل المشاريع في القطاعات الإنتاجية وتحسين البنى التحتية الخاصّة بهذه القطاعات. كما يمكن أن تكون بمثابة دفعة لتسهيل الأوضاع المعيشية على الشعب اللبناني، الذي يتجه وضعه من سيّئ إلى أسوأ، لكن هناك مخاوف من استعمالها في عمليات التبذير التي تقوم بها الحكومة ومصرف لبنان.


حقوق السحب الخاصة هي «العملة» الخاصة بصندوق النقد الدولي. يمكن اعتبارها من الموجودات التي تُحتسب مع احتياطات المصارف المركزية. خلقها صندوق النقد في عام 1969 استجابة للمخاوف من محدودية الذهب والدولار في لعب دور الأدوات الوحيدة لتسوية الحسابات الدولية في ذلك الوقت. وتعمل هذه الوحدة على زيادة السيولة الدولية من خلال التكامل مع عملات الاحتياط المعتادة. ويمكن استخدام حقوق السحب الخاصة بعدّة طرق من قبل المصارف المركزية؛ يمكن تبادلها مع عملات أخرى بين هذه المصارف مقابل فائدة ضئيلة (تتغيّر نسبتها كل أسبوعين)، أو احتساب الوحدات التي يمتلكها المصرف المركزي من ضمن الاحتياطات الخاصّة به، وهو ما يمكن الاعتماد عليه للاستدانة الخارجية.
تساوي الـSDR الواحدة نحو 1.4 دولار، وتُحتسب قيمتها على أساس سلّة من خمس عملات، هي: الدولار، اليورو، الجنيه الإسترليني، الين واليوان. لكل عملة منها تثقيل (وزن) على أساسه يُحتسب المعدّل. وعندما يصدر صندوق النقد وحدات جديدة يقوم بتوزيعها على الدول الأعضاء تبعاً لحصّة كل بلد. وفي هذا السياق، يملك لبنان 195 مليون وحدة SDR، علماً بأن حصّته هي 0.13% من إجمالي الوحدات. هذا يعني أن حصّة لبنان من الإصدار المتوقع من الصندوق لوحدات حقوق السحب الخاصة بقيمة إجمالية تبلغ 650 مليار دولار، تصل إلى 850 مليون دولار.
يأتي هذا الإصدار لحقوق السحب الخاصّة، استجابة من صندوق النقد الدولي لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عقب جائحة «كورونا». لكن في مقال كتبه دانيال مونيفار وكيارا ماريوتي، نشرته الشبكة الأوروبية المختصة بالديون والتنمية، شكّك الكاتبان في مدى كفاية الإصدار لمواجهة الأزمة، وخصوصاً بالنسبة إلى الدول الفقيرة. فالمتوقع أن تكون حصّة الدول الغنية من الإصدار نحو 67% نظراً إلى الكوتا العالية لهذه الدول في صندوق النقد، في مقابل 1% فقط من هذا الإصدار للدول المنخفضة الدخل أو الدول الفقيرة، أي أن هذه الدول ستحصل على 7 مليارات دولار فقط من أصل 650 ملياراً.
كذلك يشير الكاتبان إلى أن خدمة الديون الخارجية في الدول النامية، ستبلغ نحو 345 مليار دولار في نهاية عام 2021، بينما تُقدّر حصّة هذه البلدان من إصدار حقوق السحب الخاصّة بنحو 260 مليار دولار. فعلى سبيل المثال، تبلغ حصّة دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى من الإصدار 22 مليار دولار، في حين أن خدمة الديون الخارجية لهذه البلدان تبلغ 37 مليار دولار. وهذا الأمر، يعني أن الأموال التي ستذهب إلى هذه البلدان ستُنفق كلها على تسديد جزء من خدمة دينها، وبالتالي ستذهب هذه الأموال إلى البلدان الدائنة، ما يعني أن هذا الإصدار سيذهب لزيادة أرباح الدول الغنية، بينما شعوب الدول الفقيرة لن تستفيد منه بشيء.
لذا، يقدّم الكاتبان عدّة اقتراحات لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة الأزمة، وهي:
- أولاً، على صندوق النقد أن يصدر حقوق سحب خاصّة بقيمة 3 تريليون دولار لتصبح حصة الدول الفقيرة كافية لمساعدتها، وبذلك ستحصل هذه الدول على 977 ملياراً، ما سيكون كافياً لمساعدتها مالياً وتسهيل إعادة انطلاق اقتصاداتها.
- ثانياً، يجب أن يخلق الصندوق آلية لإعادة توزيع حقوق سحب لن تحتاج إليها الدول الغنية، وعلى هذه الآلية أن تكون من دون كلفة وشروط.
- ثالثاً، يجب أن يكون الإصدار الجديد لحقوق السحب الخاصة مصحوباً بتنفيذ عاجل لتدابير تخفيف عبء الديون، من أجل ضمان عدم انحراف هذه الموارد الإضافية نحو الدائنين الخارجيين.
- أخيراً، هناك حاجة إلى خطوات أكثر حسماً لإصلاح هيكل الديون العالمية ونظام الحصص لمؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد والبنك الدوليين)، نحو بناء نظام أكثر ديمقراطية وعدلاً وإنصافاً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام