باريس ــ ٥٠٠ يوم تفصل الساحة السياسية الفرنسية عن الانتخابات الرئاسية. فترة من المنتظر أن تكون مليئة بالتطورات، وخصوصاً على صعيد إعادة النفخ في أبواق «الأمن والهجرة». الجديد اليوم هو التجاذب بين الجهازين المكلفين تطبيق القوانين التي أقرها العهد الساركوزي، الذي يشير إلى «مسار تصفية حسابات» بين الشرطة والقضاة، إضافة إلى التجاذب بين اليمين وأقصى اليمين.


أول الغيث كان إلغاء محكمة نانت (غرب) «غرامة الـ٢٢ يورو» التي حررتها الشرطة لساندرين موليس (٣١ عاماً) بسبب ارتدائها نقاباً أثناء قيادتها لسيارتها، ما دفع محاميها إلى التصريح على باب المحكمة بلهجة المنتصر «بات في الإمكان اليوم قيادة سيارة مع ارتداء النقاب». وجاء في حيثيات الحكم أن الاعتماد على إحدى فقرات قانون السير التي تحتم على سائق السيارة أن يكون «باستمرار في وضعية الاستجابة لكل متطلبات القيادة» لا يمكن تطبيقها هنا، «إذ إن النقاب لا يمثّل أي خطر لأنه يسمح للرأس بالحركة». وتزامن قرار المحكمة مع ردّ محكمة أخرى في ضاحية «مانت لا جولي» (شمال باريس) دعوى المحجبة فاطمة عاطف على مدرسة حضانة صرفتها بحجة «ارتدائها الحجاب أثناء عملها». وقد لوحظ أن قاعة المحكمة استقبلت الحكم بالتصفيق، وقال عدد من أهالي الأطفال «إنهم تنفسوا الصعداء» لأنهم يرون أن «الأمر يمسّ بمستقبل مجتمعنا». ويأتي هذا التقلّب والتناقض ارتداداً لتأثيرات الخطاب حول الهوية في الأشهر الأخيرة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، التي يتفق الجميع على أن «محورها سوف يكون المهاجرين والأمن والإسلام» كما خطط له الرئيس نيكولا ساركوزي، المرشح المحتمل لخلافة نفسه.
وأسس ساركوزي لهذا الخطاب في محاولة لاسترداد الناخب اليميني الذي هجره في الانتخابات المناطقية ليعود إلى «مراجعه الأصلية»، أي الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة التي يتزعمها جان ماري لوبن (٨٢ عاماً) ويستعد لـ«توريثها» لابنته مارين لوبن. وبالفعل، احتلت الأخيرة واجهة الإعلام قبل يومين بتصريح ناري رأت فيه أن «صلاة الفرنسيين المسلمين في الطريق أمام أبواب الجوامع تمثّل احتلالاً شبيهاً بالاحتلال النازي».
تصريح أثار موجة من ردود الفعل، إذ سارعت لجنة حقوق الإنسان إلى تقديم دعوى على لوبن بتهمة «التسبب بالتمييز وبث الكراهية والعنف» بين الفرنسيين. كما هرع السياسيون، كل لأسبابه وأهدافه، إلى التباري في «شجب» هذه التصريحات؛ الناطق الرسمي باسم الحكومة، وزير الميزانية، الشيراكي فرانسوا باروان وصفها بأنها «استفزازية تشير إلى أن مارين لوبن ابنه جان ماري لوبن»، أما وزيرة التعليم العالي، الشيراكية أيضاً، فاليرير بيكريس فرأت أنها «مفرطة وتحريضية» قبل أن تضيف أنها «لا تحمل أي حلول واقعية». أما رئيس الوزراء السابق، الاشتراكي لوران فابيوس، فوصف كلام لوبن بأنه «فضائح تخرج من منزل واحد». وطالب بالتحرك حتى «لا يقال إننا نلعب لعبة اليمين المتطرف». وأضاف أن «لكلمة الاحتلال النازي صدى رهيباً»، في إشارة إلى محرقة اليهود. رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية، ريشار باسكيه، رأى أن تصريحات لوبن «تلاعب بالتاريخ» وأعلن تضامنه مع رئيس المجلس التمثيلي الفرنسي، محمد موسوي.
بدوره، رأى إمام جامع باريس، الرئيس السابق للمجلس التمثيلي الفرنسي، دليل بو باكر، أن لوبن «تطرح السؤال الصحيح»، وهو «غياب الأماكن المخصصة لصلاة المسلمين الفرنسيين». وأضاف أنه «إذا كانت الصلاة تقام في الشوارع فسبب ذلك غياب المساحات الكافية». وشدّد على أن «الصلاة في الشوارع ليست استفزازاً ولا تحمل أي معان سياسية». وناشد بلديات فرنسا تكملة مجهودهم بوضع صالات في تصرف المسلمين، لأنه يخشى «استقطاب السلفيين للمؤمنين».
كل هذا لم يمنع لوبن من إعادة تصريحاتها وإعطاء «تفسيرات» لما أرادت قوله. ورأت في مقابلة مع إذاعة «أوروبا ١» أنه يجب «عدم السماح لميليشيات خاصة بتنظيم السير وسد الطرقات»، في إشارة إلى وقف السير في بعض الشوارع عند صلاة يوم الجمعة في بعض الأحياء الباريسية. وأضافت أنها تقصد المسلمين الذين لديهم «أهداف سياسية وراء الدين والذين يطوعون قوانين الجمهورية» على أساس أن «الصلاة في الشارع تعبير سياسي». ودعت المسلمين إلى الذهاب إلى «الجوامع الفارغة الكثيرة في فرنسا». وتساءلت «لماذا يأتي أبناء الضواحي للصلاة في باريس؟»، موضحة أن هذا التصرف هو تصرف سياسي. وشدّدت على أن الجبهة الوطنية ليست «شوفينية ولا عنصرية».
ويرى بعض المراقبين أن فتح هذه «المعركة» اليوم هو للتشديد، من جانب اليمين المتطرف، على أن «جماعة ساركوزي قد تناست هذا الخطاب»، لأن لوبن تدرك أن عليها إضعاف اليمين الوسطي للتقدم بين الناخبين. وبالفعل غابت تصريحات الساركوزيين، وخصوصاً وزير الداخلية بريس هوتوفو، الذي يتعاطى مع المسألة بمقاربة خاصة ليست بعيدة عن مقاربة اليمين المتطرف، وهو سبق أن حكم عليه بغرامة بسبب تصريحات عنصرية.
وعلى هامش يمينيي الحزب الحاكم، تبرز تصريحات الشيراكيين، وبينهم «النجم الصاعد» في حزب تجمع الأكثرية الشعبية، جان فرانسوا كوبيه، الذي شجب تصريحات لوبن. وحين سئلت الأخيرة عن كلامه، أجابت «إن كوبيه هو حليفي الموضوعي» لأنه يدرك أن لا حلول عند حزبه. وأضافت أن «كل ما يتمناه كوبيه هو فشل ساركوزي في انتخابات العام المقبل».