منذ النهضة الإيطالية، التي اخترعت منصب السفير، تُشكّل الدبلوماسية اختصاصاً يتخفى خلف مصلحة الدولة. وتغذى هذا الأمر من النظام المطلق، ليسمح بكل الدناءات والشناعات بين الأمم، ومنح تفسيراً للتحريض على الحرب، التي مزّقت القارة العجوز. وحين استقلت الولايات المتحدة نفذّت دبلوماسية جديدة.


سفير الولايات المتحدة في فرنسا ما بين سنتي 1776 و1785-كان يُطلَق عليه حينها «كوميسير»- اعْتُبِر رائداً حقيقياً للدبلوماسية الأميركية. وكان يتوجب على هذا السفير، بنيامين فرانكلين، أن يتفاوض في باريس حول معاهدة صداقة وتجارة ضد العدو البريطاني المشترك. وفكّر في طريقه عمله، فكتب: «لقد تأملتُ قاعدةً، خلال فترة طويلة (...). إنها ببساطة، تتمثل في ألاّ أنشغل بأي قضية يمكنها أن تجعلني أحمرُّ خجلاً حين تصبح عمومية».
أثناء النقاشات المتعلقة بالدستور الأميركي، أعاد الجمهوريون الأميركيون التأكيد على تفضيلهم لتوسيع المفاوضات الدبلوماسية وترويج الأخبار. وقد لاحظ مؤرخو تطور الدبلوماسية أنه خلافاً للنصوص الدبلوماسية الأوروبية، فإن النصوص الأميركية كانت موجهة لجمهور عريض. الأخبار كانت مكتوبة بنية وقناعة أن الظروف سوف تضعها ذات يوم تحت عيون المواطنين والعالم بأسره. وقد تم التأكد من هذا الأمر اليوم، من خلال البرقيات التي بثها «ويكيليكس».
تسريبات «ويكيليكس» تعيد التذكير بلحظة تاريخية أساسية أخرى تعود إلى إرث الأنوار الذي نهل منه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون حين قدّم إلى الكونغرس، يوم 8 كانون الثاني 1918، «أربعة عشر نقطة»، في مقدمتها حظر الدبلوماسية السرية. ورغم انه اعتبر الدبلوماسية السرية سبب ويلات الحرب الكونية الأولى، إلا أنه بعد مرور بضعة أشهر، تفاوض، في سرية، حول معاهدة فرساي في خلوة مع الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو ورئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، ومن أجل الديكور رئيس الحكومة الإيطالي فيتوريو إمانويلي أورلاندو، بعيداً عن كل الوفود الأخرى، بل وبعيدا حتى عن محيطه الخاص.
الأحداث عنيدةٌ. إن التفاوض، عموماً، والدبلوماسية بشكل خاص، لا تخاض في وضح النهار، وتحت مرأى طرف ثالث. يعرف الدبلوماسيون الأمر ويتأقلمون معه ويمارسونه. سبق لسفير لويس الرابع عشر، فرانسوا دي كالييريس، أن كتب سنة 1716: «السرية هي سلاح المفاوضات». أما الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية ما بين الحربين، جيل كامبون، فلقد استنتج سنة 1926 أنه «مهما كان قصر فترة تحملنا مسؤولية مصالح البلد في الخارج، نكتشف أن اليوم الذي لن تعود فيه أسرار في المفاوضات، لن تكون فيه مفاوضات على الإطلاق».
وفي الوقت القريب. من هنري كيسينجر إلى هوبير فيدرين، لا توجد دبلوماسية لا تعرف فائدة وشرعية الكتمان في المفاوضات. في مكان منعزل تخاض مفاوضات ضرورية، ولكنها غير مقبولة في نظر الرأي العام. وهذا ينسحب على المسار السري للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي أوصلت إلى اتفاق أوسلو في العام 1993. ما أن بدأت المفاوضات حتى تمت حمايتها من الارتجاجات الخارجية بفضل هذه السرية. وهكذا جرى في النروج، ما بين 24 و26 تموز 1994، اجتماعاً تفاوضيّاً سريّاً، في وقت كانت المعارك تشتعل في جنوب لبنان. لكن لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين، المعزولين عن أرض المعركة، اضطروا لوقف المفاوضات. كيف يمكن تخيل استمرار مفاوضات رسمية في مثل هذا السياق؟
كما في مكان منعزل يتم، وبكثير من الصبر، تبادل تنازلات ويتم تخيل حلول، يُمكن أن يُنْظَر إليها وكأنها إقرار بالضعف أو بالخيانة. في مكان منعزل أيضاً يمكن أن نأمل من خصم أن يعترف بحجج الآخر، بينما سيرفض ذلك في الضوء. في السرية تتكون الثقة، وهي عنصر رئيسي في كل مفاوضات. السر يحمي المفاوضات من «تأثيرات الجمهور». وهكذا فالتصريحات التي يطلقها هذا الطرف أو ذاك، والموجهة قبل كل شيء لمنح ضمانات للرأي العام، تنحرف إلى تصعيدات تسمم الحالات الصراعية لدرجة جعلها صعبة التحكم عبر مسار التفاوض. ويرى هوبير فيدرين ان ارساء الثقة بين الدبلوماسيين امر جوهري. وتفترض الدبلوماسية، شأنها شأن المفاوضات التجارية، مناقشة الحجج بصراحة لا تستثني اوجه الأمور السلبية القائمة، وهي رهن ارساء الثقة، وضمان بقاء النقاش في سياقه وطي الكتمان.
من خلال الحد من فائدة تأثيرات الصورة والتصريحات، فإن السر يتيح للمفاوض أن يخرج نفسه، لوقت قصير على الأقل، من الضغط العمومي ومن الميكانزمات المأسوية التي يمكن أن يفرضها الاستقطاب. لهذه الأسباب، فما أن يكون مكان التفاوض معروضاً أمام أطراف ثالثة، فإن العمل الحقيقي للتفاوض ينتقل إلى مكان آخر. المكان يصبح قاعة مسرح تجري فيه مسرحية محددة في الكواليس. ولكن هذا التقليد المتعلق بالسرية يصطدم، بطريقة متصاعدة، بأمر معاصر للشفافية، يحركه محرك مزدوج. المحرك السياسي يظل في الخطوط الكبرى، هو ذاك الذي تم التفكير فيه أثناء الأنوار: الحق في معرفة المحكومين وواجب مسؤولية الحاكمين. هذا المحرك يزداد قوة مع ازدياد المجتمعات التي تنفتح على الديموقراطية. وإلى هذا المحرك، ازداد من الآن فصاعداً، محرك آخر: اتساع تكنولوجيات المعلومة والاتصال، التي تخفف من سرعة وقْع قطيعة السر. وقد وضّحت قضية «ويكيليكس» الأمر بشكل مدوّي.
لحد الساعة، تتضمن فضيحة «ويكيليكس» نتيجة وتقدّم إحدى المخاطر. النتيجة هي أن العواصم الدبلوماسية وأماكن المفاوضات المتعددة الأطراف يجب عليها أن تبحث عن أفضل توازن بين الفائدة المحتفظ بها للسر، والشرعية المثبتة للشفافية تجاه طرف ثالث.
التحدي ليس جديداً، وقد كان حاضراً سنة 1995، مع فشل الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمارات، ثم في سنة 1999، في فشل مفاوضات التجارة العالمية في سياتل، حيث دان المجتمع المدني، مبدئياً، شرعية مفاوضات تمت في سرية. الخطر هو أن الشفافية، ولفائدة فضيحة «ويكيليكس»، تجد نفسها موصومة باستخفاف. يأتي من ينتقد «ديكتاتورية الشفافية»، بينما هي تشكل، تحديداً، حين تُطبَّق على السلطة السياسية، شرطاً للمجتمع الديموقراطي.
الشفافية تمنح ترياقاً للتجاوزات التي تتيحُها سرية السلطة: صراعات مصالح، عشوائية التعيينات والعقوبات، وتحويل واختلاس الفائدة الجماعية من قبل فوائد خاصة، الفساد والاختلاسات التي يقوم بها أفراد حكوميون. كل هذه الأشياء تزدهر في السرية، ولكنها تتلاشى حين تعرضها ميكانيزمات الشفافية أمام ضوء النهار. كان جورج واشنطن يعرف الأمر جيدا، وهو الذي جعل من إخبار المواطنين موضوع خطابه الرئاسي الأخير.



أسانج بانتظار قرار إطلاقه


تستعد محكمة بريطانية اليوم للنظر في استئناف الادعاء السويدي ضد قرار الإفراج عن مؤسس «ويكيليكس»، جوليان أسانج، بكفالة.
وسيمثل أسانج أمام محكمة العدل العليا في لندن التي ستقرر إما الإفراج عنه بكفالة ضمن شروط صارمة أو ابقائه في السجن في زنزانته الانفرادية.
واشتكى محامي مؤسس موقع «ويكيليكس»، مارك ستيفنز، من أنه لم يتمكن من التواصل بما فيه الكفاية مع موكله المعتقل منذ أكثر من اسبوع. وانتقد مجدداً «التنكيل» الذي يتعرض له اسانج، قائلاً إن «التلميح إلى احتمال هربه أمر سخيف تماماً»، في إشارة إلى طلب المحكمة من موكله ايداع ضمانتين قيمة كل منهما عشرين ألف جنيه تدفع في حالة اختفائه علاوةً على الكفالة المحددة بـ 200 ألف جنيه. وأوضح أن «جمع 200 ألف استرليني أمر صعب»، لافتاً إلى أن أنصار أسانج تمكنوا من جمع نحو نصف مبلغ الكفالة المطلوب.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)