في الخامس من آب الماضي، كتب الصحافي الأميركي بول ودورد مقالاً يتحدث فيه عن وجود دليل ذي صدقية على أن إيران أصبحت هدف هجوم إلكتروني من دولة من الدول. وكشف أنه جرت محاولة لتخريب البرنامج النووي الإيراني بـ«صاروخ إلكتروني» (ستاكسنت)، وهو ما لم تنفه طهران، وإن شدّدت على أن أضراره لم تكن كبيرة، وأنه لم يستهدف محطة «بو شهر»، بل مفاعل «ناتنز».


وكشف تشخيص الفيروس أنه إنتاج إسرائيلي، لكنه فتح مجالات واسعة للتعاون بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والغربية. ويقول ودورد إن أول من شخّص فيروس «ستاكسنت» مجموعة ألمانية، من خبراء الأمن الإلكتروني الصناعي، حلّلت الطريقة التي يعمل بها. وأكدت أنّ من الممكن أنه طُوِّر لمهاجمة محطة بوشهر النووية الإيرانية.
ويرى هالف لانغنر، الذي كان أول من كشف بالتفاصيل الهدف التدميري لـ«ستاكسنت» والنيات الخبيثة لمن ابتكره، أن الهجوم البالغ المهنية تطلَّبَ توافُر طواقم لإعداده تتضمن: «استخبارات سرية، عمليات سرية، ومهندسي تصورات، ومهندسي مراقبة الأنظمة واتصال عسكري...».
وأضاف أن «ستاكسنت هو هجوم إلكتروني يجري التحكم فيه 100 في المئة، ويستهدف تدمير مركب صناعي في العالم الواقعي». وأردف: «لا يتعلق الأمر باستخبارات كما يدعي البعض. إنه هجوم تخريبي مئة في المئة».
ويكشف لانغلر، في موقعه الإلكتروني، عن كود «ستاكسنت» الذي قام بتحليله، ويُبرِز بالتفاصيل كيف أنه يعمل مثل صاروخ إلكتروني مُوجَّه، وهو ما وافقه عليه ثلاثة من خبراء مرموقين في نظام المراقبة والأمن الصناعي في الولايات المتحدة، حلّل كل منهم أقساماً من ستاكسنت.
خبراء آخرون لم يحللوا بأنفسهم «ستاكسنت»، لكنهم يعترفون بنتائج الذين أجروا التحليل، ويتفقون مع نتائج لانغلر. وجاء في تحقيق أجراه صحافيان من مجلة «لو نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية، في عددها الصادر في الثاني من كانون الأول، أن ستاكسنت «اكتُشف في حزيران الماضي، لكنه باشر عمله قبل عام ونصف عام. ومهمته هي التسلل إلى إمدادات التغذية الكهربائية في نوع معين من المحركات. فهو يسيطر على المحركات، ويغير سير عملها، ويرفع وتيرة سرعتها إلى أن تنفجر. وبعد بلوغ هدفه، يعيد الفيروس التيار الكهربائي إلى حاله السائرة اليومية، متخلصاً من آثار توغله الإلكتروني».
وقال المدير السابق لبحث أنظمة المراقبة للأمن الإلكتروني في وزارة الطاقة الأميركية، مايكل أسانت، «إن ما نراه مع ستاكسنت هو أول نظرة لشيء جديد لا يحتاج إلى مَن يوجهه من الخارج، لكنه على العكس، يستطيع مراقبة البنى التحتية (الصناعية والنووية)». وأضاف: «هو أول مثال مباشر على شيء ناعم، وقد حُوِّل إلى سلاح عالي الشخصنة، وجرى تصوّره وصنعه للعثور على هدف نوعي».
ولم يتأخر جوناثان بوليت، وهو خبير في نظام مراقبة الأمن الصناعي، في القول: «أنا أميل إلى اعتبار ستاكسنت سلاحاً». وأضاف: «البحث الذي أنجزه لانغلر يكشف اختراقاً حاسماً في هجوم ستاكسنت يبرز هدفه التدميري، وهو ما يتفق عليه باحثون آخرون. إن هذا التقدم، الذي يسميه لانغلر «أخذ بصمات إصبعية»، يدفع إلى القول إن «ستاكسنت يمكن أن يوصف بسلاح تهديف».
لقد حدد لانغلر قدرة ستاكسنت على «أخذ بصمات إصبعية» للنظام المعلوماتي، الذي يتسلل إليه كي يُحدِّد إن كان الأمر يتعلق بالآلة الحقيقية التي يريد برنامج الهجوم تدميرها. وإذا لم يعثر على ضالته، يترك النظام المعلوماتي الصناعي بسلام. إن التقاط البصمة الإصبعية لنظام المراقبة هو الذي يكشف أن ستاكسنت ليس نظاماً تجسسيّاً، لكنه بالأحرى برنامج هجوم ابتُكر كي يُحدث تدميراً.
ويراهن لانغلر على أن المركز النووي في بوشهر كان هدف ستاكسنت، فكتب: «إن التشريح الذي نقوم به سيقودنا، بوضوح، إلى مسار الهجوم والمهاجمين. على المهاجمين أن يدركوا الأمر. خلاصتي هي أنهم سيغضبون، لكنهم لا يخشون دخول السجن».
وإذا كان بوشهر هو بالفعل الهدف من الهجوم، فلأنه كان، قبل أي شيء، هدفاً مناسباً. ومن وجهة نظر الحكومات التي لديها مصلحة في تخريب البرنامج النووي الإيراني، فإن بوشهر ليس هو الهدف الأكثر أهمية، لكنه الأكثر سهولة في دخوله أمام العمال الروس. ويقول تحقيق «لونوفيل أوبسرفاتور» إن «الغاية من الدودة الإلكترونية هذه تخريب مفاعلات ناتنز وعرقلة مساعي الجمهورية الإسلامية النووية». ويضيف: «ويقال إن ستاكسنت أبصر النور في إسرائيل، شمال تل أبيب، على مقربة من مقري الموساد وهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، في مبنى حديث تشغله شركات معلوماتية. والأمر هذا معقول ولا يجافي المنطق. فمعظم الشركات العاملة في المبنى هذا أسسها نوابغ في المعلوماتية تدربوا في صفوف وحدة الاستخبارات العسكرية الموكل إليها تتبع الاتصالات وشؤون الحرب الرقمية. ومثل غيرهم، يعمل هؤلاء في سلك الاحتياط...»، على ما يقول أهارون ب.، عميل الاستخبارات الإسرائيلي السابق.
ويكشف التحقيق عن أن أجهزة الاستخبارات الغربية وحدت جهودها لعرقلة المشروع النووي الإيراني. فـ«القضية الإيرانية أطلقت ثورة ثقافية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، وفي «الموساد»». وهي «حملت قادة الأجهزة على المبادرة إلى التعاون الوثيق مع الاستخبارات الخارجية، سواء كانت صديقة أو لا، مخالفين عقيدتهم الاستخبارية التقليدية التي تعلي شأن العمل الأحادي من غير تنسيق مع آخرين»، على حد قول الصحافي الإسرائيلي رونن برغمان، الذي يعد كتاباً عن عمليات الموساد السرية.
وفي فرنسا، كفّت الأجهزة الاستخبارية الفرنسية عن التنافس، وعززت التعاون في ما بينها لمواجهة تحدي المشروع الإيراني النووي، على ما يقول الخبير فرانسوا هيزبورغ» (صاحب كتاب: إيران، هل هو خيار الأسلحة؟).
وفي أيلول الماضي، ذكرت وكالة «رويترز» أن «إسرائيل طورت قدرات حرب إلكترونية باستطاعتها زعزعة أنظمة المراقبة الصناعية والعسكرية في إيران».
وبعيداً عن فرضية التضليل التي قد تحكم هذه التسريبات الإعلاميّة، وعلى افتراض أن إسرائيل أرسلت حقيقة أول صاروخ إلكتروني عسكري يمكن التحكم فيه، فما هي النتائج التي ينطوي عليها الأمر؟ يجيب عن هذا السؤال بول ودورد بتحديد جملة من المعطيات:
1 ـــــ تنبيه إيران إلى أن كل منشآتها الصناعية عرضة للهجمات، وأنها ليست بعيدة عن تشرنوبيل أخرى.
2ـــــ إن إسرائيل، حتى وإن لم تعترف بضلوعها في ستاكسنت، تعبّر عن إرادتها في الانخراط في حرب إلكترونية من خلال استخدام ورقة رابحة استراتيجية.
3 ـــــ إن إسرائيل، في ميدان الحرب الإلكترونية، من أهم القوى العالمية. ويشهد على الأمر تصديرها للعديد من دول العالم، حتى المتقدمة والصناعية منها، لأحدث التقنيات في هذا
الميدان.
4 ـــــ في عزّ السباق على التسلح الإلكتروني، يجب ألا نتخيل الأمر، كما كان الشأن في باقي سباقات التسلح الأخرى، حيث القوةُ تكمُنُ في القدرات أكثر مما تكمن في استخدام القدرات.
5 ـــــ إذا كان العالِم النووي الباكستاني عبد القدير خان قد برهن على سهولة اشتغال شبكة انتشار نووي، لكون مواد خام مثل تلك التي تُستخدَم في الحرب الإلكترونية، هي بالتأكيد من المواد الأكثر سهولة في نقلها في الكرة الأرضية ـــــ الكود المعلوماتي ـــــ فهذا يعني، بصيغة ما، أن حقبة الحرب الإلكترونية ليست أكثر خطورة من حقبة الحرب النووية.
6ـــــ في هذا المشهد الاستراتيجي من الحرب الإلكترونية، يمكن أن يكون أخطرُ فاعِلٍ عبارة عن دولة صغيرة، عبارة عن قلعة متطورة جداً تشعُرُ بالتهديد، من كل دول العالم، تقريباً. لا تثق في حلفائها، بقدر ما يَحْذَر منها هؤلاء الحلفاء. وهي تَرى أنّ استقرارَهَا الخاص قد تعزَّزَ بفضل عدم الاستقرار الإقليمي. وترى ازدهار اقتصادها مقابل اقتصاد عالمي منتكس وتنظر، باحتقار، إلى مفهوم المجتمع الدولي.
أليست هذه الصفات تنطبق على دولة إسرائيل؟



نتانز هدفاً

في 29 تشرين الثاني الماضي، أقرّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بأن فيروساً فتك بأجهزة الطرد في نتانز، و«أخرجها من الخدمة». لكنه قال إن الأضرار غير فادحة، ولم تخرج عن عقال السيطرة.
وعلى خلاف ما أعلنه نجاد، ذهب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الصادر في 16 من الشهر الماضي، إلى أن نصف أجهزة مصنع نتانز النووي، أي آلاف الأجهزة، توقف عن العمل للمرة الأولى منذ بداية تشغيله في 2006. ونقل تحقيق «لو نوفيل أوبسرفاتور» عن دبلوماسيين في مقر وكالة الطاقة الذرية الدولية قولهم إن «ستاكسنت» هو وراء الأضرار هذه. ويرى خبراء دوليون في الإجرام الإلكتروني أن الدول وحدها يسعها شنّ مثل هذه الهجمات.