باريس ــ قد تكون الأزمة الحالية لليورو مؤشراً إلى نهاية العملة الأوروبيّة في غياب إصلاح للنظام المالي في الاتحاد الأوروبي، هكذا تكلم جوزيف ستيغليتز، وهو ليس ممّن يرمون كلامهم جزافاً، ولا سيما أنه حاز نوبل للاقتصاد لعام ٢٠٠١، وسبق أن أطلق تحذيرات عديدة من أن «على أوروبا إصلاح مؤسساتها» لأن خطط التقشف، على قساوتها، لن تردع المضاربين عن المراهنة على تراجع اليورو.


ويشير ستيغليتز، كما عدد من الخبراء، إلى أن أوروبا قد عانت كثيراً للوصول إلى حلّ «قد يبدو مقبولاً» لكل من اليونان وإيرلندا، وإن كان غير مضمون النتائج على المدى البعيد. إلّا أن هؤلاء يرون أن «الضحية المقبلة» هي إسبانيا. وسبق لستيغليتز أن نبّه في مقابلة مع «بي بي سي» إلى أن التعامل مع أزمة في بلد كبير يختلف كثيراً، وأن «أوروبا سوف تئنّ للوصول إلى اتفاق بشأن هذا البلد الكبير»، إذ إنه كلما كبر الدين كبر «نهم المضاربين».
لكن ماذا يمكن أن يحصل في حال انهيار اليورو؟
تحت عنوان «نهاية اليورو: السيناريو الذي لا يخطر بالبال»، حاكت صحيفة «فيغارو» الفرنسية هذا الاحتمال بالنسبة إلى فرنسا، ودعت الخبير مارك كليف، المسؤول عن الأبحاث في مصرف «إي إن جي»، إلى تقويم هذا الحدث في حال حصوله، وتشبيهه بما حصل للأرجنتين عام ٢٠٠١ وحال الإفلاس التي وقعت في دركها. وتوصل إلى نتيجة، يوافقه عليها عدد من الخبراء، أن انهيار اليورو يعني تماماً «نهاية الاتحاد الأوروبي بوصفه كياناً أممياً».
ويرى هؤلاء الخبراء أن «الأسواق سوف تستبق التفسخ» وانفلات الأمور بحيث يتراجع «سعر صرف اليورو إلى ٨٥ سنتاً أميركياً»، كما يبيّن البروفسور جان جاك روزا، أستاذ المالية العامة في عدد من الجامعات الفرنسية. وحسب «خريطة التقويم لهذه الحال، فإن الترابط سوف يقود إلى ركود مع تراجع النمو بنسبة ١٠ في المئة» لمرحلة قد تدوم ثلاث سنوات، بسبب العقبات التي سوف تواجه الدولة (فرنسا) في إعادة «توزيع عملة جديدة»، ما سوف يضطرها إلى «تقييد حرية الرساميل». وبالطبع سوف «ترتفع نسبة البطالة إلى ١٣،٨ في المئة» أوتوماتيكيّاً، وأولى خطوات الحكومة يمكن أن تكون «إقفال أسواق المال والبورصات» لمدة أسبوع على الأقل، والتوقف عن دفع الديون الخارجية لمدد غير محددة، ما يمكن أن ينعكس «شللاً في سوق المال العالمية»، إذ إن قيمة التبادل بين المصارف الأوروبية تبلغ ٩٧٠٠ مليار دولار استناداً إلى وثائق المصرف المركزي للمقاصة.
ويتوقع البعض ألّا يتجاوز المسموح بتحويله أسبوعياً الـ٣٠٠ دولار للفرد و٥٠٠٠ دولار للشركات الصغيرة، وأن ترتبط طلبات تحويل أو دفع اعتمادات الشركات الكبرى بموافقة «مكتب العملات الأجنبية»، بما يذكّر بمنظومة «العملة الوطنية» في بعض الدول.
ويتفق الخبراء على أن أبرز العقبات سوف تكون في كيفية معالجة ملفّات «الديون الخاصة وانتقال قيمتها من اليورو إلى أي عملة جديدة»، وحساب نسب الحسومات عليها، ما قد يؤدّي إلى «إفلاس المصارف» التي تؤلّف الديون نسباً عالية من موجوداتها الحسابية.
ومباشرة، تنعكس هذه المؤشرات «انكماشاً» تدفع بالفوائد إلى التراجع. ويتحدث البعض عن إمكانية تراجع مردود سندات الخزينة الفرنسية ليصل إلى «واحد في المئة»، بينما تسبب حال التفكك في أوروبا إلى ارتفاع حاد في معدلات فوائد المديونية لدول مثل اليونان وإسبانيا لتتجاوز الـ٧ في المئة. وسوف تتأثر معدلات معاشات العمال في فرنسا وتتراجع بنسب كبيرة، ما يقود إلى «تراجع القدرة الشرائية» بقوة.
أما بالنسبة إلى المستوردات، وخصوصاً مشتقات النفط، فإن أسعارها سوف ترتفع بنحو غير مسبوق، ويتوقع أن يصبح سعر ليتر البنزين بحدود ١،٧٥ يورو. وبالمقابل فإن «تراجع الصادرات الفرنسية» سوف يزيد من حدة أزمة التصنيع، وبالتالي يسجل ارتفاعاً مزدوجاً للبطالة، مع إمكان «فقدان أسواق» أساسية لمصلحة الدول المنافسة (الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية وبنسبة أقل بريطانيا).
وفي هذه الظروف فإن الدولة سوف تكون عاجزة عن دفع أموال في السوق الدولية بسبب «عدم وضوح قوة العملة الجديدة». كما أن من «المستبعد إعلان إفلاس» الدولة وعدم دفع ديون فرنسا البالغة ١٢٠٠ مليار يورو.
هل يعني التخلّي عن عملة اليورو نهاية الاتحاد الأوروبي بما هو كيان سياسي واقتصادي؟ الجواب يأتي سريعاً ومن معظم الخبراء ليقول «نعم لأن نص الدستور الأوروبي الجديد يحتّم أن تكون العملة الموحدة أحد مقومات الاتحاد». والحل يكون، كما طرح ستيغليتز مراراً: «آلية معالجة للأزمات داخل الاتحاد الأوروبي تأخذ في الحساب مسألة المضاربات وتقود إلى المزيد من التفاعل في اقتصاديات الدول الأعضاء»، أي باختصار، المزيد من توحيد القرارات المالية والاقتصادية والسياسية.