طوال تاريخها، لم تقطع كوبا علاقاتها بأيّ دولة في العالم، باستثناء علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وذلك تضامناً مع الشعب الفلسطيني، تذكّر وفيقة ابراهيم، لافتة إلى أن الولايات المتحدة هي التي ‏بادرت، مطلع الستينيات، إلى قطع علاقاتها مع كوبا وإعلان الحرب وفرض الحصار عليها، ما يعني أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين هي بمثابة إقرار بفشل سياسة الولايات المتحدة تجاه الثورة الكوبية، وعودتها الى النقطة الصفر.


«هم أعلنوا الحرب ومن ثم تراجعوا. هم فرضوا الحصار، والآن بدأوا بالتراجع. هم يموّلون الأعمال الانقلابية وزعزعة الاستقرار ‏الداخلي، وعليهم أن يتراجعوا... قرارهم بإعادة العلاقات الدبلوماسية تعيقه سلسلة طويلة من القوانين (الأميركية) التي تتعارض مع مبدأ مجرد إقامة علاقات دبلوماسية مع بلد آخر»، تقول إبراهيم، لافتة إلى أن «التقارب» الحاصل اليوم هو عملية «بطيئة وطويلة الأمد، وستتعرض لمراحل جمود ربما تبعث على اليأس». وتحرص إبراهيم على التعبير عن اطمئنانها إلى أن العملية تلك لن تغيّر من الخط البياني التاريخي للسياسة الكوبية.
التواصل الكوبي ــ الأميركي ليس جديداً
كانت كوبا على الدوام تعرب عن استعدادها لفتح حوار حول أي موضوع كان، بشرط أن يكون ذلك على قاعدة الندية والاحترام المتبادل وعدم خرق السيادة ‏الوطنية، تقول إبراهيم، لافتة إلى أن الاتصالات مع الولايات المتحدة لم تنقطع كلياً، حتى في عزّ المواجهة بين البلدين.


لن يستطيع أحد الدخول
إلى كوبا إلا عن طريق احترام سيادتها
بعد أن فرضت إدارة الرئيس جون كينيدي عقوبات اقتصادية على كوبا في عام 1962، حمل أكاديميان أميركيان رسالة غير موقّعة ‏من وزير الخارجية الأميركي هنري كيسينجر، إلى قائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو، اقترح فيها الأول فتح قناة حوار بين الطرفين. وحصلت بعض الاتصالات بالفعل، قبل أن تقطع الولايات المتحدة الحوار فجأة، بحجة دعم كوبا لاستقلال ‏بورتوريكو، تروي إبراهيم، لافتة إلى أنه حتى في عام 1977، حينما كانت كوبا منغمسة في دعم مقاومة الشعب ‏الأنغولي لوحدات الـ«أونيتا» المدعومة من الولايات المتحدة ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، قرر الرئيس الأميركي جيمي كارتر إعادة الاتصالات بشكل رسمي وعلني، وكانت مبادرة افتتاح مكاتب تمثيل المصالح في البلدين. وتلفت إبراهيم إلى أن الاتصالات الثنائية لم تنقطع حتى مع استعار العدوانية الأميركية في عهد الرئيس رونالد ريغان، وخاصة العدوان العسكري الأميركي على ‏نيكاراغوا والسلفادور، تحت عنوان مواجهة النفوذ السوفياتي والكوبي، فضلاً عن العدوان الأميركي على غرينادا، واغتيال رئيس وزرائها، موريس بيشوب. وتشير إبراهيم إلى أن اتفاق جنوب أفريقيا عام 1989 (الذي مهد لإلغاء نظام الفصل العنصري) لم يكن ممكن التحقيق لولا الدور الكوبي، وذلك بعد أن اضطرت الولايات المتحدة إلى التحاور مع جارتها المتمردة، التي كانت حاضرة في أنغولا منذ عام ‏‏1975 حتى عام 1989، والاعتراف بأن دعمها لمجرمي الـ«أونيتا» في أنغولا، كما دعمها لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، قد ‏أبعدها كثيراً عن بقية الدول الأفريقية، وجعل صورتها قبيحة في نظر شعوبها. ‏

آفاق «التقارب» الكوبي ــ الأميركي

تشير إبراهيم إلى نتائج استطلاع للرأي نُشرت في 21 تموز من العام الجاري ، أظهرت أن 72% من المواطنين الأميركيين يدعمون رفع الحصار عن كوبا، وأن 55% من الجمهوريين (المتشددين تقليدياً تجاه كوبا) يدعمون ذلك أيضاً؛ كذلك أظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية، أو من الأميركيين المنحدرين من أصل كوبي، والبالغ عددهم حوالى مليون ونصف المليون نسمة، يطالبون برفع الحصار عن وطنهم الأم، مقابل 26% منهم يعارضون سياسة «التقارب» مع كوبا، والتي يقودها الرئيس باراك أوباما، وتؤيدها بشدة المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون.
وفي المقابل، تحدث وزير الخارجية الكوبي، برونو رودريغيز، عن أهمية فتح حوار مع الولايات المتحدة حول ‏مجالات متنوعة، وتعزيز آليات التعاون الثنائي التي بدأت تتشكّل، واستكشاف آليات أخرى لمجالات تعاون جديدة ومفيدة للإنسانية، كتطبيق القوانين الدولية والبيئة والصحة و‏العلوم. وفي هذا السياق، تم تشكيل ‏لجنة ثنائية، مهمتها تحديد المواضيع التي يجب الإحاطة بها ومناقشتها على المدى القصير والمباشر، بما في ذلك المسائل الإشكالية التي لا تزال ‏عالقة منذ أكثر من 50 عاماً. ولكن في الوقت نفسه، تشير إبراهيم إلى تصريح رودريغيز بأن لا توافق أبداً بين مفاهيم الولايات المتحدة والمفاهيم الكوبية حول العديد من المواضيع، بدءاً بالنموذج السياسي للدولة، ومسائل السيادة الوطنية والديمقراطية و‏حقوق الإنسان وشكل العلاقات بين الدول، وصولاً إلى «الخلاف العميق» حول كيفية قراءة التاريخ، وخاصة خلال النصف الثاني من القرن الماضي. ‏وظهرت الخلافات تلك جلية في كلام رودريغيز عن اعتزازه بكون بلاده ضامنة لممارسة وتطبيق حقوق الإنسان «المتكاملة وغير المجتزأة للجميع»، وإبدائه قلق بلاده حول مسألة حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة، وفي العمليات العسكرية التي تشنها الأخيرة خارج أراضيها، والتي تحصد أعداداً هائلة من الضحايا المدنيين، فضلاً عن مدى تمثيل النظام الانتخابي الأميركي للإرادة الشعبية، وشيوع الفساد، وطغيان المصالح الخاصة على العامة، مشيراً إلى غياب التشوهات تلك في النموذج التي أقامته الثورة الكوبية، ذي النظام ‏الانتخابي الديموقراطي التشاركي. ‏

على أيّ اتفاقية محتملة
أن تحترم أطر التكامل في
أميركا اللاتينية

ورغم ما تقدم، ترى إبراهيم أن النية بتطبيع العلاقات تخدم مصالح الشعبين، لكن دون ذلك العديد من العقبات. وتذكّر إبراهم بما جاء على لسان جميع الرسميين الكوبيين تقريباً، ومفاده أن «لا مجال لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة إلا بعد رفع الحصار الاقتصادي كلياً، ووضع حدّ ‏لعمليات زعزعة الاستقرار التي تتولاها الأخيرة، عبر السماح بالبث الإذاعي والتلفزيوني ضد الشعب والثورة في ‏كوبا، انطلاقاً من أراضيها». كذلك لا مجال للتطبيع إلا بعد إنهاء الولايات المتحدة لإشغالها غير القانوني لأرض غوانتانامو الكوبية. ‏

«أحصنة طروادة» أميركية

لا تخفي الولايات المتحدة رهانها على النفاذ إلى الداخل الكوبي لإحداث تغييرات في نظامه الاجتماعي السياسي، بعد رفع حصارها عنه. ويثير ذلك، بطبيعة الحال، الهواجس حول عمل مختلف الجهات الأجنبية، من شركات ومصارف وجمعيات ومؤسسات ذات صبغة أكاديمية، وغيرها من الكيانات التي قد تلعب دور «أحصنة طروادة» تحقق الهدف الأميركي المعلن بتغيير نظام الثورة، أو «تغيير سلوكه»، على الأقل. وفي السياق نفسه، تُطرح مخاوف حول مستقبل حركة التحرر في أميركا اللاتينية، والتي صرّح مؤخراً أحد أبرز رموزها، الرئيس البوليفي إيفو موراليس، برغبة بلاده في إقامة «علاقات جيدة» مع واشنطن.
«تحدي كوبا الأول هو كيفية مواجهة الوسواس الأميركي بتغيير النظام السياسي ‏والاقتصادي في كوبا؛ فبالرغم من بعض التطمينات، إلا أن الطبع يغلب التطبّع لدى الولايات المتحدة، والتاريخ و(مواقف) اليمين ‏الأميركي يشهدان بذلك... وستكون الحال، كما قال البطل القومي الكوبي، هوسيه مارتي، في قديم الزمان: استراتيجية مقابل استراتيجية»، تقول إبراهيم. المحاولات الأميركية العلنية لدعم ما يسمى «المجتمع المدني» هي جزء من استراتيجية الولايات المتحدة لـ«أمنها القومي» ‏لعام 2015 ، تشير إبراهيم، مؤكدة أن تمويل المعارضة الكوبية مباشرة، أو عبر ما يسمى «المنظمات غير الحكومية»، سيصطدم بالممانعة الكوبية. وأبعد من هذا التفصيل، ترى إبراهيم أنه «لن يستطيع أحد الدخول إلى كوبا إلا عن طريق احترام سيادتها واستقلالها والقانون الدولي ومبادئ وأسس جامعة الدول اللاتينية والكاريبية (سيلاك)، وكل الاتفاقيات الموقّعة في أطر التكامل في أميركا اللاتينية، والتي أصبحت عائلة واحدة في مواجهة السيد الأميركي». وفي هذا السياق، لا يزال شكل العلاقات الاقتصادية المرتقبة بين كوبا والولايات المتحدة والدول الأوروبية ضبابياً، وما زال من المبكر الحديث عن اتفاقيات تبادل تجاري، أو عن رفع الضوابط عن حركة رؤوس الأموال، أو تغيير في قوانين الاستثمار والعمل في كوبا، بما قد يُحدث تغييرات مهمة في النظام الاجتماعي ــ الاقتصادي للجزيرة.
في المقابل، من شأن «الانفتاح» أن «يوسع من فرص الاستثمار الأجنبي في كوبا... حتى إنه يُخيّل للبعض من الغربيين أن كوبا بدأت طريق تحولها ‏السياسي والاقتصادي نحو الرأسمالية، أما أصدقاء كوبا التاريخيون، فيحاولون تعزيز علاقاتهم بها على كل الأصعدة»، تقول إبراهيم، معتبرة أن رفع الحصار الأميركي عن كوبا، وإن جزئياً، سيسمح للأخيرة بمعالجة بعض مشاكلها الاقتصادية، وسيسمح لها بلعب دور أكبر على الساحة الدولية. وترى إبراهيم أن عملية «التقارب» الحالية «مفيدة للجميع، لأنها تبعد التوتر المتواصل بين البلدين منذ أكثر من نصف قرن، وسترفع عدد السياح الأميركيين الى كوبا، وكذلك التحويلات المالية العائلية بين البلدين».
تَطمئن إبراهيم إلى أن «أميركا اللاتينية تقف الى جانب كوبا» في هذه العملية، وخاصة حليفها الأبرز في القارة الأميركية، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. «لن تزول الخلافات بين البلدين، مهما حرص أولي الأمر، لأن الخلاف تكويني، أو جيني... ولكن من الممكن تحقيق تعايش معين، في حال ساد الاقتناع بذلك، كما سبق أن قال الرئيس راوول كاسترو»، تقول إبراهيم. وقد تعكس الرؤية هذه وعي الهوة غير القابلة للردم بين نظام قائم على الهيمنة المطلقة واستغلال الشعوب ومقدراتها، ونظام متمرد على هذا النمط من العولمة. أما عن الجانب الأميركي، فتنقل إبراهيم عن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، قوله إن «ما من أحد يقدم خدمة أو معروفاً لأحد في موضوع عودة العلاقات بين البلدين، بل إنها خطوة مشتركة لمصلحة الشعبين»، في موقف يمكن تفسيره بأنه إقرار عقلاني بفشل المحاولات الأميركية لإسقاط الثورة الكوبية منذ انتصارها، أو أنه اعتماد لسياسة «عقلانية» جديدة تجاه كوبا، تهدف إلى تحقيق الغاية القديمة نفسها.




خطوات على درب التطبيع

ترى إبراهيم أن «كوبا ‏كلمتها واحدة وموقفها واحد في كل ما يتعلق بمسألة التقارب، بينما الحال مختلفة في الولايات المتحدة»، مشيرة إلى لائحة طويلة من الإجراءات التي يستطيع أوباما اتخاذها من دون الحاجة إلى مصادقة الكونغرس، والتي من شأنها التخفيف من الحصار.
يستطيع أوباما مثلاً السماح للشركات الأميركية بإقامة علاقات تجارية مع الشركات الكوبية الرسمية وشراء المواد الأولية الكوبية، والسماح لكوبا باستعمال الدولار في تحويلاتها المصرفية الدولية، ويستطيع أوباما أيضاً تخفيف القيود على السفر الى كوبا.
ولا تزال مسألة التعويضات، التي يطالب بها الطرفان، في صلب أي اتصال يحصل بين واشنطن وهافانا، تقول إبراهيم، موضحة أن الأخيرة ‏‏عرضت أن تعوّض على أصحاب الأملاك أو رؤوس الأموال الخاصة التي تم تأميمها على يد الثورة الكوبية، لكن الحكومة الأميركية ‏نصحت المتضررين يومها بألا يقبلوا العرض الكوبي. أما كوبا، فقد رفعت كل الحسابات التي اشتملت على الأضرار التي سبّبها ويسبّبها الحصار سنوياً على كل واحد من القطاعات الحيوية في البلاد، إضافة الى ما سبّبته الاعتداءات الإرهابية (المدعومة أميركياً)، وطالبت باستعادة الحسابات المالية العائدة لكوبا والمجمّدة في المصارف الأميركية.