كان تقويم المستثمرين للمخاطر الاقتصادية في الصين «مبالغاً فيه»، قال الخبراء الماليون في مجموعة «كابينيت كابيتال إيكونوميكس»، فيما رأت شركة الوساطة المالية، «أوريل بي جي سي ان»، أن سيناريو «هبوط حاد» للاقتصاد الصيني هو أمر «افتراضي»، مشيرة إلى أن «انهيار الفقاعة المالية لا يكشف شيئاً تقريباً عن وضع الاقتصاد الصيني»، وهو الاقتصاد المنتج الأول في العالم. أما موضع الخلل الحقيقي في الاقتصاد العالمي، فهو في الاقتصادات المعتمدة على المضاربات والسلع والخدمات «الافتراضية».


اتخذت الصين أمس إجراءات تهدف إلى تحفيز الاقتصاد والحد من انهيار أسواق الأسهم، فخفض البنك المركزي الصيني أمس أسعار الفائدة، للمرة الخامسة منذ تشرين الثاني الماضي، وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف، وضخ 150 مليار يوان (20.3 مليار يورو) في النظام المالي. وفيما استمر مؤشر سوق شانغهاي بالانخفاض الحاد، شهدت سائر الأسواق حول العالم تعافياً ملحوظاً.
وخفضت الصين أسعار فائدة الإقراض بواقع 25 نقطة، لتصبح 4.6%، بينما خفضت سعر فائدة الإيداع لمدة سنة واحدة بواقع ربع نقطة، لتصبح 1.75%، وذلك بينما خُفضت نسبة الاحتياطي الإلزامي بـ50 نقطة، وذلك لتحفيز المصارف على الإقراض، سعياً إلى تحقيق نسبة نمو تبلغ نحو 7%. وبحسب مجموعة «بلومبرغ»، فإن الإجراءات تلك أدت إلى تعافي أسواق الأسهم الأميركية، حيث «ارتفعت المؤشرات المرجعية العشرة جميعها، تقودها أسهم شركات التكنولوجيا». وسجلت أسعار المواد الأولية تحسناً خلال تعاملات يوم أمس، مع ارتفاع في أسعار النفط خصوصاً، رغم بقائها عند أدنى مستوياتها في 6 أعوام ونصف.


واحد من كل 30 شخصاً في
الصين يملك أسهماً، و2% من الأسهم الصينية يملكها أجانب


وفي التفاصيل، ارتفع سعر مزيج «برنت» في العقود الآجلة بـ2.10%، وارتفعت مؤشرات S&P 500 بواقع 2.7%، و«داو جونز» الصناعي بـ2.5%، و«نازداك المركّب» بـ3.3%. كذلك قفزت مؤشرات الأسهم الأوروبية، حيث ارتفع مؤشر «يوروفرست 300» 4.5%، وارتفعت مؤشرات أسهم شركات التعدين بنحو ملحوظ، حيث زاد سهم «جلينكور» نحو 9%، و«أنجلو أمريكان» أكثر من 6%. كذلك ارتفع مؤشر البورصة السعودية 7.4%، مع تعافي سائر أسواق الأسهم في المنطقة العربية إجمالاً، حيث ارتفع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية مثلاً 2.8%. وسجلت أسواق المال الآسيوية تحسناً طفيفاً، فارتفعت بورصة طوكيو 1.10%، بعد إغلاقها عند أدنى مستوى أمس، وارتفعت بورصة هونغ كونغ 2% وسيول 1.32%، وسيدني 2.30%. أما بورصة شانغهاي، فواصلت هبوطها لليوم الرابع على التوالي، حيث انخفض مؤشر شانغهاي المركب بـ7.6%، لتبلغ خسائر بورصة شنغهاي 22% منذ 19 اَب الجاري، لتبدد بذلك كل أرباح السنة.
وتشير إيزابيلا كامينسكا، في مقالها في جريدة «فاينانشال تايمز» يوم أمس، إلى أن انهيار أسواق الأسهم الصينية «قد لا يكون ذا معنى»، موضحة أنه على الرغم من زيادة المستثمرين الصينيين لتوظيفاتهم في الأسواق هذه على مدى العقد الماضي، فإن «ملكية الأسهم لا تزال الاستثناء الذي يشذّ عن القاعدة في الصين». ولذلك، إن تداعيات انهيار أسواق الأسهم على الاقتصاد الحقيقي في الصين ستكون جانبية، على الضد مما لو جرى ذلك في الولايات المتحدة، «حيث يتعلم كل رجل وكلبه، منذ الولادة، على متابعة (أخبار أسواق الأسهم)، وامتلاك محفظة توظيفات»، تقول كامينسكا.
وتنقل الأخيرة عن المحلل في «كابيتال إيكونوميكس»، مارك وليامز، قوله: «فقط واحد من كل 30 شخصاً في الصين يملك أسهماً، وإن 2% فقط من الأسهم الصينية يملكها أجانب»، ما يقلل من قيمة الضجيج الذي يثيره الإعلام الغربي حول «الخطر» الذي تشكله الصين على آفاق النمو العالمي، وفيه تعمية على حقيقة الأزمة الاقتصادية التي تواجه اقتصادات الغرب الكبرى، والتي يُرجح أن تنفجر مجدداً، على غرار ما حدث عام 2008، لتسبّب ركوداً جديداً وطويل الأمد. فلا تزال مسببات الأزمة الأخيرة قائمة، وأبرزها عودة المديونية إلى الارتفاع، إذ بلغت مستوى أعلى بـ50% من المعدل السائد قبل انفجار الأزمة، وعادت الفقاعات لتتكون في أسواق الأسهم، وخاصة فقاعة الديون وفقاعة أسهم شركات التكنولوجيا، مع استمرار ضعف التوظيف والاستثمار الحقيقي المحفز للنمو.
وفي هذا السياق، تتحدث مجلة «ذي إيكونوميست»، في عددها الأخير، عن «أداء أعرج» لاقتصادات أوروبا واليابان، حيث نما اقتصاد «منطقة اليورو» بـ0.3% فقط، من نيسان إلى حزيران، وذلك على الرغم من إطلاق المصرف المركزي الأوروبي لبرنامج شراء سندات واسع، وخفضه قيمة اليورو، في مسعى إلى تحفيز التصدير. أما اليابان، فتقلص ناتجها المحلي بنحو 1.6% في الفصل الثاني من العام الجاري، وذلك بعد أن أدى رفع ضريبة المبيعات في عام 2014 إلى خفض مستوى الإنفاق، تشير المجلة نفسها. أما الولايات المتحدة، التي بلغت نسبة نمو ناتجها المحلي في الفصل الثاني من العام الجاري 2.3%، فلا تزال تعاني من قلة الإنفاق الاستثماري، وتصارع لرفع نسبة نمو التوظيف، علماً بأن «معظم الوظائف التي خُلقت العام الماضي كانت في فئات المهن ذات الدخل المنخفض، كعمال المبيعات»، بحسب المجلة نفسها، التي تشتكي من «امتناع المستهلكين عن فتح محافظهم» (تجنبهم الإنفاق)، ومن أن «الدولار القوي يؤثر سلباً على الشركات: ثلث عائدات الشركات المدرجة في مؤشر S&P 500 يأتي من الخارج».