يشهد جنوب السودان ارتفاعاً ملحوظاً في نسب التسجيل استعداداً لاستفتاء تحديد المصير بعد 35 يوماً، فيما اجتمعت عوامل متعددة لتحدّ من عمليات التسجيل في الشمال


جمانة فرحات
تقترب فترة التسجيل للاستفتاء على تحديد مصير الجنوب من نهايتها، ما يسمح بتسجيل عدد من الملاحظات المرتبطة بنسب التسجيل ودلالاتها، إلى جانب مدى تأثيرها على شرعية استفتاء يتجه بخطى ثابتة نحو إقرار تقسيم أكبر دولة أفريقية. فبعدما حددت مفوضية استفتاء الجنوب 17 يوماً للتسجيل، اضطرت إلى اتخاذ قرار بتمديد المهلة أسبوعاً إضافياً تنتهي بعد يومين، نظراً لـ«شدة الإقبال» على تسجيل الأسماء في بعض المراكز بالجنوب، وأملاً في أن ترتفع النسبة المتدنية في الشمال.
ففي الشمال، حيث يُقيم نحو مليون جنوبي، وفقاً للتقديرات الرسمية، وما لا يقل عن مليوني جنوبي على ذمة الحركة الشعبية لتحرير السودان، لم يتخطّ عدد المسجلين حاجز المئة ألف، رغم أن هناك ما بين 800 و 900 ألف جنوبي يحق لهم المشاركة في الاستفتاء.
هذا الرقم المنخفض يمكن تفسيره بجملة من المعطيات.
فالجنوبيون المقيمون في الشمال بطبيعة الحال يمكن تصنيفهم ضمن فئات ثلاث: الأولى ترفض فكرة الانفصال، بعدما تحول الشمال إلى مقر دائم للإقامة، لا مجرد مكان مؤقت التجأت إليه في فترة الحرب بين الشمال والجنوب. وبالتالي فإنها غير مستعدة للتخلي عمّا قضت سنوات في تأسيسه في الشمال، سواء حدث الانفصال أو لم يحدث. وأفراد هذه الفئة على الأرجح هم ممن اختاروا التسجيل للتصويت على استفتاء الجنوب في مراكز الشمال، معولين على تسوية سياسية تحفظ لهم حقوقهم في الشمال.
أما الفئة الثانية، وهي الأكثر عدداً، فأفرادها ممن لم تستطع سنوات إقامتهم في الشمال إلغاء هدفهم بإقامة دولتهم الخاصة، ليتحولوا وفقاً لما يعتقدون «من مواطني درجة ثانية إلى مواطني درجة أولى»، ولا سيما أن ظروف إقامة العديد منهم في أحياء الشمال الفقيرة قد عززت اعتقادهم بوجود غبن يلحق بهم، ليس بوصفهم سودانيين، بل جنوبيين.
لذلك، قرروا العزوف عن تسجيل أسمائهم في الشمال، واختاروا مع بدء عملية ترحيل الجنوبيين من الشمال أن يكونوا أوائل المتوجهين إلى ولاياتهم الجنوبية، ممنّين النفس بقرب ولادة دولتهم الجديدة بغض النظر عن مدى قابليتها للحياة ومدى قدرتها على تلبية احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية.
أما الفئة الثالثة، فهي مترددة، وقعت بين مطرقة تهديدات قيادات حزب المؤتمر الوطني بحرمان الجنوبيين المقيمين في الشمال أي حقوق، وبين سندان تيقنها أن انتقالها للإقامة في الجنوب، الذي لم يزره العديد من أفرادها من قبل، محفوف بمخاطر عديدة أمنية واقتصادية.
ولم تجد هذه الفئة أمامها من سبيل سوى الامتناع المؤقت عن التسجيل، على أمل الاتفاق على التسوية، بما يشجعها على البقاء في الشمال، وإلا فإن خيار العودة الاجبارية إلى الجنوب يصبح أمراً مفروغاً منه.
أما في المقلب الآخر في الجنوب، فقدرت مفوضية استفتاء الجنوب أن تكون أعداد المسجلين قد تخطت مليونين، فيما أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان أن المسجلين ناهزوا ثلاثة ملايين.
رقم مرتفع يصبّ في مصلحة الحركة الشعبية التي تسعى إلى إضفاء شرعية دستورية وشعبية على الاستفتاء، لكنه لا يلغي حقيقة أن أنصار الوحدة هم الغائب الأكبر عن التسجيل في الجنوب. ومعظم هؤلاء من المسلمين، ويمثّلون قرابة ثلاثين في المئة من أبناء الجنوب، وفقاً لبعض التقديرات الحديثة التي تأخذ في الاعتبار التغيرات التي طرأت على التركيبة الديموغرافية للجنوب منذ آخر استفتاء أجري في عام 1956.
أما أسباب عزوفهم عن التسجيل، على الرغم من الأهمية التي تكتسيها أصواتهم لترجيح كفة الوحدة، فيعزوها حزب المؤتمر الوطني إلى نجاح الحركة الشعبية في «إرهابهم، وصولاً إلى تحييدهم»، ولا سيما أن بقاءهم في جنوب السودان أمر ثابت، سواء جاءت نتيجة الاستفتاء لمصلحة الوحدة أو الانفصال. وبالتالي لا مصلحة لديهم في اكتساب عداوة الحركة الشعبية التي ستتحول إلى الحاكم المطلق للجنوب عما قريب.
وإن كان هناك من يعتقد من حزب المؤتمر الوطني أن الانخفاض في نسب التسجيل، الذي شهدته الأيام الأولى، سيمثّل فرصة ذهبية أمام الحزب الحاكم للطعن في شرعية إجراء الاستفتاء، إلا أن الحركة الشعبية أثبتت قدرتها على تفويت مثل هذه الفرصة على الحزب الحاكم.
وبعدما حرصت الحركة على رفع نسب التسجيل على نحو ملحوظ في الأيام الأخيرة في الجنوب، عمدت إلى مغازلة المؤتمر الوطني، موجهةً إليه الدعوة إلى المضي قدماً في الاستفتاء والقبول بنتائجه، متسلحةً بعدم وجود نص قانوني يشترط وجود نصاب محدد لإجراء الاستفتاء.
كذلك، لا يبدو أن الحركة ستواجه أي مشكلة في الوفاء بضرورة تصويت 60 في المئة ممن سجلت أسماؤهم للاعتراف بنتائج الاستفتاء، ولا سيما أن معظم المشاركين سيدلون بأصواتهم في الجنوب تحت أنظارها لا في الشمال.