طهران | الحصار والعقوبات، منظومة لازمت الجمهورية الإسلامية، منذ انتصار الثورة عام 1979. بدأت قصة الحصار أميركياً مع احتلال السفارة في طهران، بداية الثمانينيات، لتكرّ سبحة العقوبات وتتسع مروحتها، مع تصاعد حدة المواجهة بين إيران والغرب. مع انطلاق الحرب الإيرانية ــ العراقية، فُرضت عقوبات تسليحية على إيران، حتى مُنعت من الحصول على الأسلاك الشائكة لاستخدامها على الحدود.


من هنا بدأت الحرب الاقتصادية الطويلة، لكن إيران استطاعت أن تتجاوز العديد من العقبات، إما عبر السوق السوداء أو عبر المضي للاكتفاء الذاتي بالاعتماد على الإنتاج الوطني. المشكلة الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الإيراني ليست توفير الاحتياجات الأولية الموجودة بوفرة في الطبيعة الإيرانية، فقد شكل النفط الإيراد الأول لخزينة الحكومة التي أدخلت المليارات، عبر بيع الخام الإيراني في الأسواق العالمية. لذا ارتبطت الميزانيات المتعاقبة بأسعار النفط، الأمر الذي أوجد نقطة ضعف أساسية في البنية الاقتصادية الفتية للجمهورية الإسلامية.
بعد سنوات الحرب واعتماد سياسات الدعم الحكومي الواسعة للسلع كافة، بدأ الحديث عن ترشيد الدعم على السلع، بداية بالمواد الثانوية وصولاً إلى المواد الأولية. على سبيل المثال، كانت أسعار البنزين والمشتقات النفطية منخفضة بأكثر من عشرة أضعاف الأسعار، في دول الجوار الإيراني، كتركيا وأذربيجان ومنطقة الخليج، فانتشرت عمليات التهريب، بشكل واسع، ما أثر على خزينة الدولة وكبّدها أعباء مالية متراكمة. عندها، وضعت خطة ترشيد الدعم التي بدأ الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بتنفيذها، فأدى ارتفاع الأسعار إلى انخفاض عمليات التهريب، ضمن إطار الخطة التي كانت مودعة في أدراج مجلس الشورى، فيما كانت الحكومة بانتظار الفرصة المناسبة لتنفيذها وتحمّل تبعاتها، وهو أمر أخذه نجاد على عاتقه.


كان وقف التحويلات
المالية السيف الأمضى بوجه الاقتصاد الإيراني

جوهر المشروع كان إيجابياً، لكن الأخطاء في التنفيذ كانت سبباً في بروز بعض الإشكاليات، كارتفاع أسعار سلع أخرى من دون قدرة الرقابة على ضبطها بشكل مناسب. انتهت المراحل الأولى لتنفيذ رفع الدعم مخلّفة العديد من الشوائب، لكنّها نجحت في ضبط الإنفاق الحكومي وترشيد الاستهلاك، فبات المواطن الإيراني يحسب ألف حساب لاستهلاك المواد الأولية، بعد رفع أسعارها، مع تقديم دعم مالي محدود بشكل متوازن للمواطنين، الأمر الذي أدى إلى إيقاف الكثير من الهدر والإسراف في استخدام الموارد الأولية.
أتت فكرة ترشيد الدعم من محاولات التوزيع العادل للثروة على المواطنين. مثلاً، كان المنزل العائد لعائلة متوسطة الدخل يستهلك نحو 50 دولاراً بدل ماء وكهرباء وغاز، تدفع الحكومة أكثر من نصفها في إطار الدعم الحكومي، فيما قصور الأغنياء ومنازلهم كانت تستهلك 500 دولار، تدفع الحكومة أكثر من نصفها أيضاً. بالتالي، كان الأغنياء يستنزفون الحكومة أكثر من الفقراء، لذا تقرّر توحيد الأسعار وتقديم تسهيلات مالية للعوائل الفقيرة، بينما يمكن الطبقة المتمولة أن تسدد التكاليف.
لكن ترشيد الاستهلاك لم ينفذ، بشكل متكامل، بالنسبة إلى القطاع الصناعي والإنتاجي، وظهر ذلك من خلال تأثير ارتفاع أسعار المواد الأولية على قيمة أسعار السلع، ولكن بشكل تدريجي لم يؤذِ القدرة الشرائية للمواطن، بل أضعفها إلى حدّ ما.
مع ذلك، لم تلقِ العقوبات الدولية بظلالها على الاقتصاد الإيراني، رغم تضرّره عبر انسحاب شركات من إيران، ووقف الاستثمارات والمشاريع. الضربة الموجعة كانت عبر وقف التعاملات المصرفية وقطع القطاع المصرفي الإيراني عن النظام المالي العالمي وتجميد أصول إيرانية في الخارج، فكان وقف التحويلات المالية عبر نظام «سويفت» العقدة الأكبر والسيف الأمضى بوجه الاقتصاد الإيراني. توقفت حركة الأموال والاستثمار، وباتت السلع تدخل عبر سماسرة محليين وأجانب، الأمر الذي شكل ارتفاعاً في قيمة السلع المستوردة وانخفاضاً في أسعار العملة الإيرانية، حاولت خلاله الحكومات المتعاقبة توجيه المواطن إلى استهلاك الإنتاج المحلي، مع تسهيلات مصرفية وتسويقية للمصانع والمنتجين الصغار، لرفع جودة سلعهم بهدف تلبية احتياجات السوق الوطنية.
خلال سنوات العقوبات، لم تختف أي من السلع العاليمة من أسواق إيران، فيما انخفضت وتيرة الاستثمارات النفطية مع منع تصدير النفط الذي استمر من تحت الطاولة، خصوصاً إلى الصين. ولم يشكل الحصار بداية الانهيار الاقتصادي، بل منحه فرصة لإيجاد نقاط الخلل التي استغلتها العقوبات لضرب الاقتصاد والعمل على معالجتها واحتوائها.
العوامل الجيوسياسية أثرت كثيراً في زيادة ضغط العقوبات، وعلى رأسها انخفاض أسعار النفط بشكل كبير والدعم الإيراني لأصدقاء في المنطقة، والمشاركة الفعلية في إبقاء اقتصاداتها تتحرك بشيء من الحيوية، ما استنفد بعض المدخول الإيراني.
الجميع كان يدرك أن نظام العقوبات سينهار لأن طهران استطاعت التأقلم مع الأمر، وبدأت بتنفيذ خططها الاقتصادية، على رأسها ترشيد الدعم الحكومي قبل إطباق الحظر الذي جاء متأخراً، نوعاً ما. وفي في نظرة سريعة إلى تهافت الدول الأوروبية على إيران، يمكن الاستخلاص أنها تعي واقع أن الانخراط في العمل التجاري والاقتصادي، لن يكون محصوراً في الجغرافيا الإيرانية بل سيمتد إلى دول الخليج والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، انطلاقاً من الموقع الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية.