أفرج موقع «ويكيليكس»، ليل أمس، عن دفعة أولى من النسخة الثالثة من الوثائق السرية الرسمية، متجاهلاً جميع التهديدات. نحو ربع مليون وثيقة ومحضر وبرقية أبصرت النور من أصل 3 ملايين يكتمل نشرها اليوم. ما صدر أمس يطال معظم دول العالم، حتى لا يكاد اسم دولة واحدة يغيب عن وثائقها، لكن إيران كانت «نجمة» هذه الدفعة التي يُتوقَّع أن تشغل العالم طويلاً


نيويورك ــ نزار عبود
كان مستحيلاً الدخول إلى موقع «ويكيليكس»، مساء أمس، بسبب الشغف العالمي بمعرفة مضمون مئات آلاف الوثائق التي بدأ الموقع نشرها، والتي حصلت بعض المطبوعات الأوروبية والأميركية على قسم منها على نحو مسبَق. وثائق تفضح الكثير وستسبب الأزمات الدبلوماسية كما يخشى كاتبوها الأميركيون. وقد نشرت صحيفتا «نيويورك تايمز» الأميركية و«الغارديان» البريطانية على موقعهما الإلكتروني، فحوى بعضها، رغم أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وسفراءها «شنّوا حملة دبلوماسية استباقية لاحتواء ما أمكن من الأضرار» التي قد تنجم عن نشر الوثائق. حتى إن رسائل قانونية تحذيرية وُجِّهَت الى أصحاب الموقعين من مغبّة النشر «تحت طائلة الملاحقة»، بحجة تعريض أرواح للخطر، وعرقلة الحرب ضد «الإرهاب»، و«تعطيل التنسيق الدولي بشأن الانتشار النووي».
الوثائق على شكل برقيات متبادلة بين 270 سفارة وقنصلية ووزارة الخارجية الأميركية تتمحور في معظمها حول «تعقب الإرهاب» وتنقل مواقف لعدد من الزعماء تتناول أموراً سياسية عامة وأخرى شخصية. من بين ما نُشر، ويُنشر جزؤه الآخر اليوم، الرفض السعودي، على مستوى الملك عبد الله بن عبد العزيز، للتعاطي مع القيادتين العراقية والباكستانية. أما «الغارديان»، فقد تميزت وثائقها بما يتعلق بالكشف عن أن «قادة عرباً كانوا يحثّون في اللقاءات الخاصة مع المسؤولين الأميركيين على ضربة جوية لإيران»، وأن المسؤولين الأميركيين «تلقّوا تعليمات بالتجسُّس على قيادة الأمم المتحدة». وحدّدت «الغارديان» الملك السعودي عبد الله كمصدر أول للتحريض على إيران. وقالت إنه طالب الأميركيين بضرب المنشآت النووية الإيرانية، بينما كان مسؤولون عرب حلفاء مستعجلين لاتخاذ إجراء عسكري بحق طهران. وجاء في البرقيات ـــــ الوثائق أن دولاً عربية إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل «تتوجسّ خوفاً من تملُّك إيران لسلاح نووي».
وأضافت الصحيفة، مقتبسة من برقية، أن السفير السعودي لدى واشنطن، عادل الجبير، قال «أبلغكم الملك (أيها الأميركيون) ونصحكم بقطع رأس الأفعى، وهو دعاكم إلى مهاجمة إيران لوقف برنامجها النووي»، وذلك ضمن محضر لقاء الملك مع الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس في واشنطن في نيسان 2008، مشدداً على أن العمل مع الولايات المتحدة لمواجهة التأثير الإيراني في العراق هو «أولوية استراتيجية للملك ولحكومته».
و«مآثر» الملك السعودي لا تقتصر على إيران؛ فعبد الله، الذي تصفه إحدى البرقيات الرسمية بـ«الهرم»، ينطق غالباً بأقوال جارحة تتعلق بحاكمَي العراق وباكستان. وخاطب أحد المسؤولين العراقيين بما يأتي: «أنت والعراق في صميم قلبي، لكن لا مكان لنوري المالكي في داخله. لا أثق به، إنه عميل إيراني أدخل النفوذ الإيراني إلى العراق». ووصف رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني بأنه «أكبر عقبة على طريق تطور بلاده، وعندما يكون الرأس عفناً يؤثر على سائر أعضاء الجسد».
ونقلت «الغارديان» عن بعض البرقيات الأميركية تعابير سلبية صدرت عن حكام عرب بحق الرئيس الإيراني، من بينهم الملك السعودي، قالوها لدبلوماسيين أميركيين، منها: «في النهاية، لا يمكن الوثوق بهم»، على حد تعبير الملك عبد الله. أما الرئيس المصري حسني مبارك، فقد خاطب أحد أعضاء الكونغرس بالقول إن «إيران تحرك المشاكل على الدوام»، بينما لفت رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى أن الإيرانيين «يكذبون علينا ونحن نكذب عليهم». وتعبّر البرقيات عن مدى قلق إسرائيل من فقدان هيمنتها على المنطقة، وبالتالي حرصها على المضيّ وحدها ضد إيران. وفي هذا المجال، قدّر وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، في حزيران 2009، وجود هامش يتراوح بين 6 أشهر و18 شهراً من أجل وقف إيران مشروعها لحيازة سلاح نووي. وبعدها «يفوت الأوان، وسوف يؤدي حصول ذلك إلى أضرار جانبية غير مقبولة».
وفيما رأت بعض البرقيات الأميركية أن مسؤولي وزارة الخارجية السعودية كانوا معتدلين في عدائهم لإيران، وحذرين في الوقت نفسه، فإن التطرف كان يأتي من العائلة المالكة على أعلى المستويات. وفي البحرين، طالب الملك حمد بن عيسى آل خليفة باتخاذ إجراء «يضع حداً لبرنامج إيران النووي بكل الوسائل اللازمة». وخاطب رئيس مجلس الأعيان الأردني، زيد الرفاعي، مسؤولاً أميركياً كبيراً بالقول: «اضربوا إيران أو عيشوا تحت ظل قنبلة إيرانية. العقوبات والترغيب والحوافز لن تجدي».
وفي أبوظبي، أشار ولي العهد الإماراتي الشيخ محمد بن زايد إلى ضرورة ضرب إيران «الآن وليس غداً». وفي حديثه عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، قال «أعتقد أن هذا الرجل سيأخذنا إلى الحرب، إنها مسألة وقت. وأنا شخصياً لا أستطيع المخاطرة مع نجاد. إنه صغير العمر، وعدواني». وفي رسائل أخرى، حذر مسؤول سعودي من أنّ الدول الخليجية قد تلجأ إلى إنتاج أسلحة نووية بنفسها، أو قد تسمح بنشرها على أراضيها بهدف ردع إيران وتهديدها.
وجاء في برقية من تل أبيب أنّ الإسرائيليين يقولون «إذا واصل الإيرانيون حماية مواقعهم النووية وتعزيزها، فسيصعب علينا استهدافها وإلحاق الضرر بها»، داعين، في تشرين الثاني من العام الماضي، إلى الإسراع في ضرب الجمهورية الإسلامية.
وفيما نقلت البعثة الدبلوماسية الأميركية لدى إسرائيل مواقف متضاربة حيال الخطوات العسكرية المحتملة، فإن برقية تحدثت عن أن سلاح الجو الإسرائيلي بات أكثر ميلاً من أي وقت مضى نحو توجيه ضربة عسكرية، «سواء إسرائيلية أو منا نحن (الأميركيين) كوسيلة وحيدة لتدمير أو لتأجيل الخطط الإيرانية». وأضافت إن الاستعدادات الحربية الإسرائيلية «قد تمضي قدماً حتى من دون علم الحلفاء والخصوم». كذلك كشفت الوثائق تضامناً مصرياً مع الموقف الإسرائيلي. فرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أبلغ المسؤولين الأميركيين، في أيار 2009، أنه اتفق مع الرئيس المصري حسني مبارك على أن إيران النووية «ستساعد سواها من دول المنطقة على إنتاج أسلحة نووية، ما ينجم عنه أكبر تهديد لجهود الحدّ من انتشار السلاح النووي منذ أزمة الصواريخ الكوبية» عام 1962.
واسم رئيس جهاز الاستخبارات المصرية عمر سليمان حاضر بقوة في الوثائق، فهو صارح وفداً من الكونغرس الأميركي بأن «سوريا تريد بقوة وقف عمل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة السورية مستعدة للتفاوض مع إسرائيل مثلما الحكومة الإسرائيلية مستعدة للتفاوض مع سوريا». وهنا أشار سليمان إلى أن «باستطاعة سوريا تأدية دور بنّاء، لكن ليس هناك ضمانات على ذلك».
وتُظهر بعض التقارير المنشورة أن الاستخبارات الأميركية على اقتناع بأن إيران حصلت من كوريا الشمالية على صواريخ فائقة التطور يمكن أن يصل مداها إلى أوروبا الغربية. وبحسب «نيويورك تايمز»، فإن برقية دبلوماسية استخبارية مؤرخة في 24 شباط الماضي خلصت إلى أن «إيران حصلت على صواريخ فائقة التطور مصممة على قاعدة نموذج روسي». ولفتت البرقية إلى أن طهران حصلت من كوريا الشمالية على 19 من هذه الصواريخ، وهي نسخة مطوَّرة من صاروخ «أر ــ 27» الروسي، موضحة أن النظام الإسلامي «يعمل على امتلاك تكنولوجيا للتمكن من تصنيع جيل جديد من هذه الصواريخ». برقية اعترفت الصحيفة الأميركية بأنها


حصلت إيران من كوريا الشمالية على صواريخ يمكن تزويدها بالنووي تطال برلين وموسكو

السعوديّة لا تزال المموِّل الرئيسي لـ«القاعدة» وقطر «الأسوأ من حيث مكافحة الإرهاب»
وافقت على عدم نشر نصّها بناءً على طلب من الإدارة الأميركية. لكنها أشارت إلى أن «النسخة الكورية الشمالية من هذا الصاروخ الفائق التطور معروفة باسم بي أم ــ 25، وبإمكانها أن تحمل رأساً نووياً» يصل مداه إلى أكثر من 3 آلاف كيلومتر. صواريخ «إذا ما جرى إطلاقها من إيران، يمكنها نظرياً أن تصل رؤوسها النووية إلى أهداف بعيدة في أوروبا الغربية، وخصوصاً برلين. أما إذا أطلقت باتجاه شمال ـــــ غرب، فبإمكان هذه الرؤوس النووية أن تطال موسكو». وأضافت «نيويورك تايمز» إن «البرقيات تؤكد أن ايران لم تحصل على صاروخ بي أم ــ 25 فحسب، بل إنها ترى في التكنولوجيا المتطورة وسيلة لتعلُّم كيفية تصميم وتصنيع جيل جديد من الصواريخ أكثر قوة».
سوريا وحزب الله
وتحت باب «تدفُّق الشحنات العسكرية للتنظيمات المسلحة»، تحدثت إحدى الوثائق عن فشل الولايات المتحدة في وقف الإمدادات العسكرية لحزب الله عبر سوريا، بما فيها الصواريخ التي تكدّست بأعداد كبيرة بعد حرب تموز 2006. وبعد أسبوع من تعهد الرئيس السوري بشار الأسد لوزارة الخارجية الأميركية بوقف إيصال الأسلحة الجديدة إلى الحزب، شكت واشنطن من تلقّيها معلومات تفيد بأن سوريا كانت تزوّد الحزب بأسلحة تزداد تطوراً.
وتكشف الوثائق أيضاً عن مدى الإحباط الأميركي من إخفاق الحرب على «الإرهاب» بعد مرور عقد على هجمات 11 أيلول، وكيف أن إدارة أوباما تعاني الأمرّين على هذا الصعيد من حيث حيرتها في التعاطي مع الإدارة الباكستانية وأقسامها.
كذلك أعربوا عن خشيتهم من تراجع الديموقراطية في روسيا، وعن الجهود المضنية التي تبذل من أجل منع إيران من إنتاج سلاح نووي والخشية من ضربة إسرائيلية لإيران لتحقيق تلك الغاية.
ومن بين أبرز ما نُشر في وثائق أمس، أنّ السعودية حافظت على مركزها كمموِّل رئيسي لتنظيم «القاعدة»، بينما اعتُبرت قطر التي تحتضن قواعد أميركية كبرى في الخليج، «الأسوأ في المنطقة من حيث مكافحتها للإرهاب».


قرصنة واحتياط للمستقبل

تكثّفت الضغوط الأميركية على موقع «ويكيليكس»، أمس، لإرغامه على عدم نشر وثائقه «التي تضع حياة أشخاص كثيرين في خطر». لم تنفع النداءات من لندن إلى واشنطن، فهوجم الموقع إلكترونيّاً لعدم نشر الوثائق التي «تمّ الحصول عليها بطريقة غير قانونية»، بحسب وزارة الدفاع الأميركية التي أكّدت أنها اتخذت إجراءات لتفادي تكرار هذا التسريب الرهيب مستقبلاً. وفي بيان نشر قبل دقائق من نشر صحف «نيويورك تايمز» و«لوموند» و«الغارديان» الوثائق على مواقعها الإلكترونية، دان «البنتاغون» «عملية الكشف المتهورة لمعلومات سرية»، وأكد المتحدث باسم الوزارة، براين ويتمان، أن وزير الدفاع روبرت غيتس طلب إجراء عملية تدقيق لتحديد كيفية حصول هذا التسريب. وأضاف إنه يجري حالياً تطبيق عدد من التوصيات التي خرجت بها عملية التدقيق لعدم تكرار تسريبات مماثلة. أ ف ب