حسابات اللاعبين تدفع باتجاه التصعيد الشكلي


بسّام الطيارة
لا تزال الكوريتان رسمياً في حالة حرب. تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري قوي في كوريا الجنوبية، رغم أن عديده تراجع من ٤٧ ألف جندي إلى ٢٨ ألفاً بعد الانغماس في حربي العراق وأفغانستان، وفي حال اندلاع الحرب في شبه الجزيرة الكورية فإن قيادة العمليات تكون في يد واشنطن حسب اتفاق الدفاع الموقع بين البلدين.
بالطبع لا يمكن مقارنة قوات كوريا الشمالية بالقوات الموجودة في الجنوب، نظراً إلى الفارق التكنولوجي الكبير بينهما، رغم أن بيونغ يانغ تحشد جيوشاً جرارة وتخصص ما يزيد على ٣٠ في المئة من ميزانيتها للتسلح. إلّا أن الشطر الشمالي يمتلك العديد من المميزات الاستراتيجية، فصواريخه ومدافعه البعيدة المدى منصوبة على بعد أقل من ٤٠ كيلومتراً من عاصمة الجنوب سيول، حيث عصب الحياة السياسية والاقتصادية. ويتوقع المراقبون أنه في حال نشوب أيّ نزاع فإن القوات الشمالية ستعمد إلى اجتياح عاصمة الجنوب للفوز بغنيمة تسوية بعد توقف القتال.
ورغم أنه من المستبعد أن تلجأ أي جهة إلى «السلاح النووي»، فإنّ المراقبين يشكّكون في أن تسمح الولايات المتحدة لبيونغ يانغ باحتلال عاصمة دولة تحتل المرتبة السابعة بين الدول المتقدمة اقتصادياً وصناعياً، ما قد يقود إلى استعمال سلاح نووي تكتيكي لوقف تقدم الجيش الأحمر الكوري.
ليس ما تقدم بسيناريو جهنمي، بل هو أقرب إلى نقل لواقع أجواء العواصم المعنية بالتوتر الحالي في المنطقة. وليس من المصادفة أنّ «تبادل القصف المدفعي» حصل عشية كشف الخبير في جامعة ستانفورد الأميركية، سيغفريد هيكر، بعد زيارة لكوريا الشمالية عن امتلاك بيونغ يانغ سلسة أجهزة تخصيب يورانيوم جديدة في مجمع يونغ بيون (١٠٠ كيلومتر شمال العاصمة)، معبّراً عن دهشته أمام «حداثة التجهيزات»، وقارنها بتلك الموجودة في الولايات المتحدة.


قاعدة السياسة الاستراتيجية لطوكيو مبنية على «وجود كوريتين»


ورغم أهمية ما كُشف من تجهيزات وما أثاره من قلق دولي، فإنّ التوتر العسكري وضعه الكثيرون في خانة تثبيت ولي العهد الكوري الشمالي في موقعه، وشحذ حماسة الكوريين الوطنية، وردع أي محاولة انتفاضة من القوى التي قد تكون لها أطماع في الحكم، وخصوصاً في صفوف العسكر.
إلا أن أكثر من طرف يشارك في هذه اللعبة، التي يعدّها البعض «الأخطر» على الاستقرار العالمي. أول هؤلاء، الصين، «الحليف الأوحد» لنظام كوريا الشمالية، التي وإن كانت تسعى إلى سحب فتيل التوتر، إلا أنها لا تود أن «تسقط بيونغ يانغ» لأسباب عدة. بكين، بالدرجة الأولى، لا تريد أن تتحمل عبء النازحين الكوريين الشماليين. كما أنها سوف تكون في موقع تقديم المساعدات لنشل النظام إذا لم ينهَر. كما أنّ بكين تخشى انهيار النظام الكوري الشمالي، ما سيجعلها وحيدة في مواجهة كل من سيول وواشنطن وطوكيو ما يمثّل تراجعاً كبيراً في موقعها الاستراتيجي على المدى الطويل، كما أنّ سيول سوف تلتفّ على الاستثمارات الطويلة المدى في الصين لتستثمر في «سوقها الداخلية». فضلاً عن أنّ توحيد كوريا يمثّل أيضاً خطراً على بكين، التي سوف تجد مجتمعين قويين على حدودها (اليابان وكوريا) يملكان اقتصاداً قوياً وصناعة متقدمة.
كذلك الأمر مع اليابان التي أثارت «التصريحات الحربية» لرئيس وزرائها، ناتو كان، التعجب. فهو اتصل بالرئيس الأميركي باراك أوباما مباشرةً بعد الاشتباك المدفعي وطالب «بتدفيع بيونغ يانغ الثمن». وتوجه إلى مواطنيه بالقول «أعدّوا أنفسكم لأحداث غير مرتقبة»، وأشار إلى أنه من غير المقبول أن تقتل كوريا الشمالية مدنيين من دون ردّ فعل. وشدد على أن هذه هي «المرة الثانية الذي يقتلون فيها»، في إشارة إلى ضرب الطراد الكوري الجنوبي قبل أشهر ومقتل ٤٦ بحاراً. ولم يتوقف ناتو عند الحالة

الولايات المتحدة رفعت حدة الاستعدادات العسكرية لتبرير عملية «تبريد الوضع»


الكورية، بل شدد على أنه «إذا لم نتصرف فإن هذا سوف يعطي اندفاعاً لآخرين»، وهو ما فسرته الأوساط المتابعة بأنه إشارة إلى إيران وملفّها النووي. إلا أن بعض المراقبين يرون أن هذا «الموقف المتطرف» للاستهلاك الداخلي، وخصوصاً أن قاعدة السياسة الاستراتيجية لطوكيو مبنية على «وجود كوريتين». إلا أن مأزق طوكيو هو إمكان محاصرتها بأربع قوى نووية (الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية) ما يمكن أن يدفعها إلى تجاوز الامتناع عن امتلاك السلاح النووي عبر تعديل دستوري هي بغنى عنه اليوم.
كذلك الأمر بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، التي رغم التجيش لعواطف شعبها ونزول المطالبين بتلقين الشمال درساً لا ينساه، فإن أوساط رجال الأعمال لا تبدو راغبة في الاندفاع في «مغامرة غير مدروسة». إذ إنه إلى جانب خطر الخراب المحدق بالعاصمة، إلى جانب إمكان حصول «انزلاق نووي»، فإن أوساط رجال الأعمال لا تود من جهة تحمّل الوزر المالي لعملية «ضم الشمال» في مقاربة شبيهة لما حدث مع توحيد ألمانيا، كما أنها تنظر إلى سوق كوريا الشمالية على أنها سوق واعدة لمنتجاتها التي يمكن أن تسد منافذ السوق الصينية التي باتت تعتمد على صناعتها الداخلية.
ويرى البعض أن الولايات المتحدة رفعت حدة الاستعدادات العسكرية وأعلنت بطريقة استعراضية وصول الأسطول السابع وحاملة الطائرات إلى بحر الصين، فقط لتبرير عملية «تبريد الوضع من أعلى»، إذ إن الإدارة الأميركية غير مستعدة اليوم لخوض حرب ثالثة بعد العراق وأفغانستان لا من ناحية عسكرية ولا من ناحية اقتصادية، إلا أن التخوف من «ضغوط الجمهوريين» يمكن أن يقود إلى «انزلاق دبلوماسي» قد يضع واشنطن في مواجهة الصين في وقت «غير مناسب».


«شعب كوريا الشمالية لن يثق بأون»ورأى لي أن «الصين يمكن أن تؤدّي دوراً مهمّاً في التأثير على كوريا الشمالية لمنعها من القيام باستفزازات إضافية». وأكد أن موضوع انتقال السلطة في بيونغ يانغ من الزعيم كيم جونغ إيل الى نجله كيم جونغ أون (الصورة)، هو أحد أسباب اندلاع الأزمة، قائلاً «أعتقد أن أحد الأهداف هو تعزيز موقع أون، كقائد عسكري حاذق. والآخر هو تحسين بيونغ يانغ لموقعها التفاوضي». لكن السفير استغرب كيف انتقل أون (27 عاماً) «فجأةً من مدني عادي الى جنرال عسكري بأربع نجوم، من دون أن يخضع لأي تجربة عسكرية فعلية». وأضاف «استناداً الى خبرتي الواسعة كضابط عسكري، أعتقد أن شعب كوريا الشمالية لن يعطيه ثقته».
(الأخبار)