يُقال إنه نقل شحنات الكلاشنيكوف والصواريخ إلى الجبهات المشتعلة حول العالم، وإنه أوصل «قوات حفظ السلام» إلى المناطق المتصارعة. هو الضابط السوفياتي السابق الذي فُتحت لطائراته الأجواء كلّها، والذي يقبع في زنزانة تايلاندية بانتظار قرار ترحيله بعد آخر جلسة استماع له اليوم. دعم الإرهاب، خرق القوانين الدولية وتبييض الأموال... تتعدد التهم والمطلوب واحد: رأس فيكتور بوت


صباح أيوب
الاسم: فيكتور أناتولييفيتش بوت. العمر: 43 سنة. الجنسية: روسي، مولود في طاجيكستان ـــــ الاتحاد السوفياتي السابق. التحصيل العلمي: شهادة في الترجمة من المعهد العسكري السوفياتي للغات الأجنبية (يتقن 7 لغات). الرتبة العسكرية: ملازم أول. صفقة العمر: وضع اليد على طائرات «أنطونوف» وبعض مخازن الأسلحة التابعة للجيش السوفياتي بعيد انهيار النظام. المهنة الحالية: صاحب شركات للنقل الجوّي. نطاق العمل: بلجيكا، الإمارات العربية المتحدة، جنوب أفريقيا، أفريقيا الوسطى، رواندا، موزمبيق، تنزانيا، زامبيا، الكونغو، أنغولا، ليبيريا، السودان، الصومال، الفيليبين، كولومبيا، لبنان، أفغانستان، والعراق. محلّ الإقامة منذ عام 2008: سجن بانكوك (تايلاند) في إحدى الزنزانات الخاضعة للأمن المشدد. التهمة: دعم منظمة مصنّفة إرهابية.
صاحب أحد أكبر أساطيل النقل الجوي يشغل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأمم المتحدة والمتمرّدين حول العالم في آن واحد. إذ يقال إن بوت عمل خلال السنوات العشرين الماضية على الاتجار بالسلاح ونقله عبر طائراته بين مختلف مناطق النزاع، وأحياناً لتسليح جبهتي المعركة الواحدة، علماً بأن طائراته استخدمت أيضاً لنقل المعونات و«قوات حفظ السلام» إلى أكثر من دولة أفريقية وآسيوية. البعض يربط «نجاحه» في مهماته تلك وإفلاته من قبضة القانون لسنوات، بحماية مباشرة من حكّام الوطن الأم روسيا واستخباراته. لكن، بعد سنوات من استباحة الأجواء والتلاعب بالقوانين، ها هو بوت يقع في قبضة محكمة تايلاندية، حيث تتنازع على مصيره اثنتان من أكبر القوى العالمية: روسيا تريد حمايته والولايات المتحدة تريده في قبضتها. فهل يصدر اليوم حكم ترحيل بوت إلى الولايات المتحدة الأميركية ليواجه تهمة «دعم الإرهاب»؟
قد يرى البعض في بوت رجل أعمال ناشطاً في مجال النقل الجوي، حلّت عليه أخيراً لعنة «محاربة الإرهاب» التي أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات، والتي يلاحق ويسجن بسببها الكثيرون حول العالم. وقد يراه هذا البعض أيضاً ضحية لحرب باردة لا تزال قائمة بين روسيا والولايات المتحدة تقوم على إزاحة بعض الرموز السياسية والاستخبارية والاقتصادية المحسوبة على أحد البلدين.
لكن مجموعة أخرى من المطلعين على تاريخ بوت وسجلّه، قد لا ترى في ذاك الروسي الأربعيني سوى أحد أكبر تجّار الأسلحة في العالم. هو بنظر هؤلاء، مشارك في أكثر النزاعات دموية بين الدول وداعم لها عبر توفير كميات ضخمة من السلاح الخفيف والثقيل للمتمردين مع خدمة الشحن والتوصيل. وقد تمكن بذكائه ودهائه ونفوذه السياسي والمالي من تجنّب السجن طوال عشرين سنة.
فكيف يصف بوت طبيعة أعماله؟ وما الذي أوصله أخيراً إلى سجن تايلاندي؟ ولماذا تتنازع روسيا والولايات المتحدة على مصيره؟ من هو فيكتور بوت؟
لا شيء مؤكّد في عالم الضابط السوفياتي السابق. البعض لا يزال يتشكك حتى باسمه الأصلي وبمكان ولادته، والبعض الآخر يقول إن طيفه لا يزال يخيّم على ميادين الحروب. موقع إلكتروني خاص يعرض لغاية اليوم خدمة «الاتصال به»، وزوّاره في السجن يؤكدون أنه قابع هناك، ومعنوياته لا تزال مرتفعة. هو ينفي تسليحه منظمات «إرهابية»، ومذكرة «الإنتربول» الصادرة بحقه تؤكد ذلك. البعض يصفه بأنه «الشخص الذي يجعل الحروب ممكنة»، وطائراته تستخدمها الأمم المتحدة في الوقت نفسه لمهمات إنسانية. لم تستطع أي محكمة أن تقدم أدلّة ملموسة على تورّطه بالاتجار بالأسلحة، لكن مطارات أغلب الدول فتحت لطائراته في خضم الحروب والنزاعات.
«ليس من شأني أن أعرف ماذا تحمل طائراتي»، يقول بوت في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2003، وهو المعروف بامتلاكه أحد أكبر أساطيل طائرات النقل الجوي في العالم. «سلاح غير شرعي؟ ما الذي يعنيه ذلك؟» يسأل بوت، ويجيب: «عندما تسيطر مجموعة ثوار على مدينة ما وتسمح لطائراتي بالهبوط في المطار الواقع تحت سيطرتها، فأين اللاشرعي في ذلك؟». ويتابع: «في النهاية، الثوار يصبحون هم الحكومة الشرعية، وبالتالي من حقهم الدفاع عن أنفسهم». إجابات صاحب شركتي «إير سيس» و«إير باس» في بعض المقابلات القليلة حملت أحياناً اعترافات ضمنية بنقل شحنات سلاح إلى بعض مناطق النزاع في العالم. وهو قد صرّح علناً في مقابلة مع «القناة الرابعة» البريطانية عام 2009 (من داخل سجنه) بأن طائراته نقلت السلاح إلى أفغانستان عام 1996 في خضمّ الحرب الأهلية، مؤكداً أنه كان لمصلحة الحكومة الأفغانية ضد حركة «طالبان». بوت، نفى في تلك المقابلة نفياً قاطعاً ـــــ ولا يزال ـــــ تعامله مع تنظيم «القاعدة» أو حركة «طالبان». وعند سؤاله عن احتمال نقل طائراته شحنات أسلحة من دون علمه بالأمر، أجاب بوت: «لا يمكنني استبعاد هذا الاحتمال».
عدد كبير ممن تابعوا قضية بوت من ضباط أميركيين وبريطانيين وصحافيين يؤكدون أنه لم يكن يكترث للصراعات السياسة الناشبة، ولم يدعم طرفاً مقابل آخر، بل إن أعماله تلك كانت قائمة على الـ«بزنس» وجني الأرباح لا غير.
طائرات بوت لم تحمل، خلال السنوات العشرين الماضية، السلاح فقط، بل استخدمتها منظمة «الأمم المتحدة» مرات عديدة لنقل فرق «قوات حفظ السلام» ولإيصال المعونات للدول الأفريقية المنكوبة. وأخيراً، استخدمها الجيش الأميركي لنقل العتاد أثناء غزو العراق، على الرغم من ملاحقة الإدراة الأميركية لبوت وسعيها إلى القبض عليه. فكيف وصل فاتح الأجواء المحظورة إلى زنزانة تايلاندية؟
Game is over
في عام 2002، رُفعت بحق بوت قضايا عديدة داخل بلجيكا، لكنها أُسقطت لأسباب مجهولة. وفي السنة نفسها، أصدر «الإنتربول» مذكرة توقيف بحقه بتهمة تبييض الأموال، وذلك بطلب من الدولة البلجيكية.
في تموز 2004، أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش قراراً يمنع بموجبه الأميركيين من التعامل مع كل المرتبطين بالرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، ومن ضمنهم بوت. وفي نيسان 2005 أصدرت وزارة الخزانة الأميركية قراراً بتجميد أصول رجل الأعمال الروسي. كذلك أصدر الاتحاد الأوروبي في كانون الأول 2005 مذكرة بتجميد أمواله وموارده. ما عدّه البعض ضربة مالية موجعة لبوت، الذي كان قد عاد للعيش في موسكو، بعدما كان يدير أعماله من إمارة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1993.
أجهزة الاستخبارات الأميركية خططت طوال سنوات عديدة للقبض عليه. وفي عام 2008، نصبت له قوات مكافحة تهريب المخدرات الأميركية فخاً وأوقعته فيه. وحسب الرواية الأميركية، أقنع رجال أمن واستخبارات أميركيون متخفون، بوت بأنهم يريدون شراء الأسلحة منه لمصلحة «القوات المسلحة الثورية الكولومبية» (فارك)، وبعد تقديم عرض سخي مقابل السلاح، وافق على بيعهم نحو 800 صاروخ أرض ـــــ جوّ و5000 «كلاشنيكوف» وعدد كبير من الألغام الأرضية. وفي يوم توقيع الاتفاق في فندق في بانكوك اعتقله رجال الأمن واقتادوه إلى السجن. وفي اليوم التالي رفع القضاء الأميركي دعوى على بوت بتهمة دعم منظمة مصنّفة إرهابية (الفارك)، وعلى الفور طالبت الولايات المتحدة بإصدار «الإنتربول» مذكرة توقيف دولية بحقه. وهذا ما جرى.
بوت أنكر، ولا يزال، عقده صفقة لتزويد أي جهة في العالم بالسلاح، ويؤكد أنه كان في بانكوك لبيع تجار تايلانديين طائرات من أسطوله. وأخيراً طلبت الولايات المتحدة الأميركية ترحيل بوت إلى أميركا لمحاكمته هناك بأربع تهم، بينها دعم الإرهاب. عندها، أعلنت روسيا استنكارها ورفضها الطلب الأميركي، وأكّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن قضية بوت «مسيّسة بامتياز» وأن روسيا «ترفض تعرّض الحكومة التايلاندية لضغوط خارجية تتعلق بالقضية، وأنهم ماضون بالسعي إلى إعادة بوت إلى الأراضي الروسية».


دبلوماسيون أميركيون وروس يحضرون كل جلسات الاستماع في تايلاند
وفي شهر آب الماضي، أقرّت المحكمة موافقتها على ترحيل بوت إلى السجون الأميركية خلال 3 أشهر، وإلا فسيطلق سراحه. ولم يحدد بعد تاريخ ترحيل المتهم الروسي، ومن المتوقع أن تجري عملية نقله بظروف سرية.
يصف مراسل وكالة «أسوشييتد برس» أجواء إحدى جلسات الاستماع إلى بوت عام 2009 من داخل غرفة المحكمة في بانكوك فيقول: «رجال من طاقم السفارة الأميركية في تايلاند يجلسون بالقرب من المدعي العام ويمررون له أوراقاً كتبوا عليها ملاحظات ويهمسون له ببعض العبارات... ومن الجهة الثانية من المحكمة يجلس دبلوماسيون روس خلف مقعد بوت مباشرة ويتكلمون مع زوجته وعائلته»، وكأنه صراع بين دولتين على شخص واحد.
وفي عام 2009 نقلت صحيفة «ذا نايشن» التايلاندية عن القاضي قوله للمدعي العام أنه «في موقع صعب جداً. إذ إن العلاقات الثنائية مع روسيا والولايات المتحدة وضعت على المحك».
ويروي الضابط الأميركي الذي أدار ونفّذ عملية إلقاء القبض على بوت في وثائقي لـ«بي بي سي» أنه عندما دخلت الفرقة لاعتقاله، ظلّ بوت محافظاً على هدوئه بشكل لافت، وقبل أن يكبّل نظر إليه وقال: «Game is over».
بوت من جهته، بعدما انخفض وزنه على نحو ملحوظ في السجن، يحافظ على ابتسامة عريضة ونظرات ثاقبة أمام الكاميرات المسلطة عليه وهو في طريقه إلى جلسات الاستماع. وفي آخر ظهور له أمام المحكمة، توجّه لمراسل وكالة الأنباء الروسية «ريا نوفوستي» قائلاً: «طيّب، سنذهب إلى الولايات المتحدة ونربح القضية هناك!».


نجم سينمائي

سُئل فيكتور بوت مرّة عن أحد أحلام حياته، فقال إنه يتمنى أن يحلّق على متن إحدى طائراته فوق قمم الجبال الروسية والقطب ويصوّر فيلماً وثائقياً لقناة «ناشيونال جيوغرافيك». بوت لم يصوّر ذلك الفيلم، لكن السينما الهوليوودية اهتمت بقصة حياته الصاخبة والسرية، فحاولت تجسيدها عام 2005 بفيلم سينمائي بعنوان «لورد الحرب» Lord of War، من كتابة وإخراج أندرو نيكول وتمثيل نيكولاس كيدج (الصورة)، عن سيرة بوت المهنية والشخصية من دون أن تسمّيه. الفيلم لم يلق إعجاب بوت الذي وصفه بـ«السيئ»، مبدياً أسفه على الممثل الأميركي كيدج الذي أدى دوره. وفي عام 2007 صدر كتاب بعنوان «بائع الموت» لدوغلاس فاراه وستيفان براون، يرويان فيه صراحة محطات من مسيرة بوت المهنية وعمليات تهريب السلاح التي نفذها، وخصوصاً في الدول الأفريقية، ويقدمان بعض الوثائق والمعلومات السرية عن مهماته.