Strong>فقراء الموزمبيق قدموا نموذجا قابلاًً للتعميم

«لا تجوعونا. فنحنا لا نملك المال لشراء الخبز». صرخة أطلقها فقراء الموزمبيق في وجه حكومتهم بعدما قررت سلوك أقصر الطرق للتغلب على نقص المساعدات الدولية لها والارتفاع العالمي في الأسعار، متخذة قراراً برفع أسعار أهم السلع الغذائية الاستراتجية من القمح والخبز والمياه. فقراء الموزمبيق اختاروا الشوارع للتعبير عن رفضهم القرارات، التي رأوا أنها لن تزيد أوضاعهم إلّا سوءاً في ظل عجزهم عن تأمين قوت يومهم، قبل أن يؤدي اتساع نطاق الاضطرابات وسقوط عشرات الضحايا إلى إجبار الحكومة على التراجع عن جزء كبير من قراراتها، وسط تحذيرات أممية من أن الإضرابات لن تقتصر على الموزمبيق وحدها إذا تأزمت الأوضاع المعيشية في الدول الفقيرة

جمانة فرحات
لم تستطع حكومة الموزمبيق أن تبقي على قرارها برفع أسعار الخبز والمياه وقتاً طويلاً. فلا التظاهرات والاضطرابات المتنقلة التي عمّت المدن الرئيسية سمحت لها بذلك، ولا أعداد القتلى الذين وصلوا إلى 13.
والأهم من ذلك أن الناس الذين خرجوا إلى الشارع، محركهم الرئيسي لم يكن زعيماً سياسياً معارضاً يرغب في إحراج الحكومة، بل كان الفقر المستشري بينهم.
وكان تيقنهم من عدم القدرة على تأمين احتياجاتهم الأساسية دافعاً كافياً لتوحيد صرختهم في وجه حكومة عجزت إصلاحاتها عن تحسين مستوى معيشتهم، على عكس شعوب أخرى ارتضت في ظل انقساماتها السياسية أن تمر مرور الكرام على خبر إقدام حكوماتها على رفع أسعار الخبز.
وفي بلد يرزح 65 في المئة من سكانه تحت خط الفقر، ويعيش أكثر من 90 في المئة من السكان بمعدل أقل من دولارين في اليوم، مثّلت زيادة سعر الخبز بنسبة 30 في المئة شرارة أشعلت الأحياء الفقيرة في العاصمة مابوتو وغيرها من المقاطعات، ولا سيما أن الزيادة أعقبت أشهراً من ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية. كذلك ترافقت الزيادة مع تدهور قيمة العملة الوطنية «ميتيكال» مقارنة مع «الراند» الجنوب أفريقي الذي ترتبط به البلاد نتيجة اعتماد وارداتها على جنوب افريقيا.
وإن كان رفع اسعار الخبز يمكن تبريره بالزيادة الكبيرة التي طرأت على سعر طن القمح عالمياً بعد موجة حرائق روسيا واضطرار الأخيرة إلى وقف تصدير نتاجها بهدف ضمان تلبية الطلب المحلي، فإن السلع المستهدفة بالزيادة لم تقف عند حدود الخبز والقمح. وطاولت أسعار الكهرباء والمياه بنسبة 10 في المئة، في بلد يعتمد قطاعه المائي والصرف الصحي على 85 في المئة من المساعدات الخارجية. كذلك نال الوقود نصيبه بزيادة بلغت 8 في المئة.
رفع الأسعار أتى في وقت كانت فيه الاصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة تأتي على حساب الفقراء، ولا تساهم سوى في تزايد النقمة الشعبية على الحكومة. فمع نهاية الحرب الأهلية في البلاد عام 1992، بعد 16 عاماً من المعارك بين الحكومة وحركة الرينامو المعارضة، تحولت الموزمبيق إلى تلميذ نجيب لدى صندوق النقد الدولي.
فلم تأل حكومة الموزمبيق جهداً في تشريع أبوابها أمام الاستثمارات الخارجية، ليرتفع الاستثمار الأجنبي المباشر من 108 ملايين دولار في عام 2005 إلى 588 مليوناً في عام 2008، فيما لم يتخط الانفاق على الرعاية الصحية في عام 2007، 18 دولاراً للشخص الواحد.
خطوات نالت بموجبها الموزمبيق ثناء منظمة التعاون والتنمية التي لخصت حال البلاد بالقول «موزمبيق مثال ناجح على الانتقال بعد انتهاء الصراع. فالبلاد سجلت نمواً اقتصادياً من 8 في المئة في المتوسط بين عامي 2000 و2006، (ما جعلها تحتل المرتبة الأولى من حيث نمو اقتصادها عالمياً)، وتمكنت من الحفاظ على استقرار اقتصادها الكلي والسياسي».
استقرار أيقنت الحكومة أنه لا يمكن أن يستمر مطولاً بعدما فشلت أولى محاولاتها لضبط نقمة المتظاهرين من خلال الضرب بيد من حديد في الشارع، وسط هاجس النظام بالسيطرة على الاحتجاجات، وظهر من خلال بيانات لعدد من الوزراء تطالب باستعادة النظام بأي ثمن حتى لو تطلب الأمر اطلاق النار بالذخيرة الحية على المتظاهرين غير المسلحين بحجة أن التظاهرة كانت غير قانونية.
رغبة سرعان ما ترجمتها الشرطة متحججة بنفاد الذخيرة المطاطية من دون أن يكون الأمر جديداً عليها، بعدما لجأت إلى سيناريو مماثل في عام 2008، عندما قتل ستة أشخاص في أعمال شغب ضد رفع اسعار سيارات الأجرة الجماعية التي يستخدمها الفقراء للذهاب الى العمل.
إلا أن حصيلة الجولة الأخيرة كانت مأساوية بسقوط 13 قتيلاً، بينهم طفلان، إلى جانب جرح أكثر من 400 آخرين، لتنهار بذلك مخططات السلطة على وقع الدماء التي سالت في الشوارع.
أمام هذا الواقع، لم تجد السلطات مفراً من اللجوء إلى «الخيار المر»، وترضخ للمطالب الشعبية بالتراجع ولو جزئياً عن قرارات رفع الأسعار، بعدما حاولت التهويل منذ البداية بالقول إن «قرارات رفع الأسعار غير قابلة للمراجعة». وسارت الشرطة على خطى الحكومة بتقديم اعتذار عن لجوئها إلى العنف في قمع المتظاهرين.
وتظهر اضطرابات الموزمبيق الوجه الحقيقي لما يمكن أن تشهده مناطق أخرى من العالم، وتحديداً البلدان التي تعاني ارتفاع نسب الفقر لديها إذا واصلت أسعار الغذاء وتحديداً الأساسية منها الارتفاع.
مخاوف من تهديدات للاستقرار الأمني العالمي، دفعت المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء بالأمم المتحدة، أوليفييه دي شوتر، إلى التحذير من أن ما شهدته موزمبيق من اضطرابات بسبب ارتفاع اسعار المواد الغذائية قد ينتقل إلى الكثير من الدول الفقيرة، وخصوصاً تلك التي تصنَّف دولياً تحت مسمى الدول المستوردة الصافية للغذاء.
ودعا دي شوتر، الذي أطق اسم «صرخة الجوع» على أحداث الموزمبيق، الدول المانحة والمجتمع الدولي إلى المسارعة باتخاذ اجراءات ومعايير محددة لمواجهة الازمة العالمية قبل فوات الأوان.
أما عن أسبابها، فلم يضف دي شوتر جديداً باتهامه مباشرة المضاربين غير المنتظمين أو التقليديين فى الاسواق العالمية للمواد الغذائية بتحمل جزء كبير من المسؤولية في الارتفاع الكبير لأسعار هذه المواد وعلى حساب فقراء العالم.
لكن الأهم من تشخيص المشكلة اتخاذ اجراءات عملية وتحديد آلية دولية لمواجهة هؤلاء المضاربين في الأسواق. وهو ما لم تستطع المؤتمرات الدولية التي تناولت أزمة الغذاء او الفقر أن تخرج به.
يضاف إلى ذلك، ضرورة التزام الدول الغنية والمانحين بتقديم المزيد من المساعدات إلى الدول الفقيرة، وهو أمر غير مرجح في ظل تواصل إلقاء الأزمة المالية العالمية بظلالها على اقتصادات الدول الغنية والفقيرة على حدٍّ سواء، بما يجعل سيناريو موزمبيق قابلاً للتكرر في أكثر من بلد.



تجييش عبر الهاتف

«أيها الموزمبيقي استعدّ ليوم الإضراب العظيم. تظاهر ضد ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والنقل والخبز. وانقل هذه الرسالة». رسالة نصية انتشرت قبل يوم واحد من احتجاجات موزمبيق على هواتف محمولة يقتنيها فقط ربع سكان البلاد كانت كافية لإيصال الدعوة ونشرها في أقصر وقت ولأكبر عدد ممكن من الأشخاص، قبل أن تكتشف الحكومة أثرها من خلال حجم المشاركة في الاحتجاجات. ولتنضم بذلك الموزمبيق إلى قائمة الدول التي باتت تنظر إلى الهواتف المحمولة والانترنت وكأنها عدوّ يجب محاربته، بعدما أيقنت أن تنظيم التظاهرات تم عبر الرسائل النصية وأنه في الوقت الذي كانت فيه الأحداث جارية كانت العديد من المقاطع الصوتية والصور تجد طريقاً للنشر على الشبكة العنكبوتية.
وعلى الأثر، سارع المعهد الوطني للاتصالات السلكية واللاسلكية في موزمبيق إلى توجيه رسالة إلى المشغّل العام للهواتف النقالة «mCel» وشركة «فوداكوم»، وطلب منهما وقف خدمة الرسائل النصية.
وهو ما استجابت له الشركتان من دون أن يحدد ما اذا كان الحظر دائماً أو مؤقتاً.