موسكو ــ حبيب فوعاني

غير أن خطة البناء لم تُعجب أصحاب المنازل القريبة، الذين نظّموا اعتصاماً قرب مكان البناء المقترح، مطالبين عمدة الدائرة بإلغاء الخطة.
المعتصمون ينفون أن يكون لاحتجاجهم أي صبغة طائفية أو سياسية، بل هم يتخوفون من فقدان الحديقة الخضراء الوحيدة أمام بيوتهم، ومن الزحام المرتقب في مترو الأنفاق والطرقات، والضجة، التي سيُحدثها آلاف المصلين، ومن الصعاب الحياتية، التي سيواجهونها.
لكن المشاعر المعادية للمسلمين في العاصمة الروسية انفجرت على أيّ حال قبل ذلك في التاسع من الشهر الماضي، عندما احتشد 55 ألف من المسلمين حول المسجد الجامع في موسكو، الذي بالكاد يتّسع لثلاثة آلاف مصلّ، وذلك لأداء صلاة عيد الفطر في جميع الشوارع المحيطة بالمسجد، ما شلّ حركة السير، وأغاظ الموسكوفيّين، الذين يمضون نصف حياتهم في اختناقات المرور في العاصمة.
يجب القول إن النفور من القوقازيين وأبناء آسيا الوسطى لم يكن يحمل طابعاً دينياً في الاتحاد السوفياتي العلماني، لكن وجدت النعرات الطائفية والقومية مرتعاً خصباً لها في روسيا فقط بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وغياب القيم الاشتراكية، وعدم تجذر القيم المسيحية في النفوس. نعرات تغذيها وسائل الإعلام وبعض الكتّاب، أمثال رومان سيلانتيف، المشهور بعدائه للمسلمين، الذي قال: «إن بناء هذا المسجد يجب أن تقوم به تلك الهيئات الإسلامية، التي تستطيع فعلاً ضمان غياب المتطرفين والإرهابيين عن صفوفها». ومجلس مفتي روسيا لا يدخل في رأيه في عداد هذه الهيئات لأن «مفتي وأئمّة مساجد هذه الهيئة غالباً ما يُستدعون إلى المحاكم، ويتلقون تحذيرات لمساعدتهم الإسلاميين الراديكاليين»، و«لأن معظم أبناء موسكو الأرثوذكسيون يملكون الحق كاملاً في الاحتجاج على بناء المساجد الوهّابية».
من ناحيته، دعا رئيس قسم السينودس للتواصل بين الكنيسة والمجتمع، القمص فسيفولود تشابلين، الطائفة الإسلامية إلى التشاور مع أصحاب البيوت المجاورة للمسجد المرتقب تشييده، مشيراً إلى أن المساجد في روسيا المعاصرة غالباً ما يبنيها أشخاص واقعون تحت نفوذ المراكز الأجنبية المتطرفة، لذا يجب، في رأيه، أن ينال الأرثوذكسي ضمانة بعدم تكرار وقوع هذه الحالات.
يجري ذلك كله على الرغم من الجهود الجبارة، التي تبذلها الدولة، والقوانين، التي تسنّها لمحاربة النعرات الطائفية والقومية، والتشديد على أن روسيا بلد متعدد الأديان والقوميات. وقد هاجم رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين غير مرة مثيري هذه النعرات، التي تهدد أركان الدولة الروسية، ووصفهم بالأنذال.
ويتفهم مدير معهد الأديان والحقوق رومان لونكين «احتجاجات سكان المنطقة، الذين يفزعهم نشاط المسلمين، فهم يخافون الصورة التلفزيونية للمسلم الإرهابي دون أن يروا الوجه الحقيقي للإسلام، وفي ذلك ذنب السلطات، التي يجب عليها الأخذ بالاعتبار أن موسكو مدينة متعددة الأديان والطوائف»؟ ويخلص إلى أن المسجد سيبنى على أي حال.
يذكر أنه توجد في موسكو أربعة مساجد للسنّة ومسجد للشيعة، ويبلغ عدد المسلمين في العاصمة الروسية مليوناً ونصف مليون نسمة، فيما توجد 836 كنيسة أرثوذكسية، حسب معطيات عام 2009 لعشرة ملايين أرثوذكسي.