الوضع في الشارع الفرنسي يظهر نسبة من التوتر والتنبه الأمني بعد التحذيرات المتتالية عن مخاطر إرهابية داهمة، وإن كان الخبراء يقللون من نسبة هذا الخطر، ويرون أن التهديد لفرنسا ليس أكثر من غيرها من دول العالم


باريس ــ بسّام الطيارة
التحذيرات الموجهة للمسافرين إلى فرنسا وألمانيا تنهال من كل حدب وصوب، بعد الولايات المتحدة وبريطانيا، ها هي اليابان وأوستراليا والسويد تلحق بهما. تحذيرات، وإن كانت لا تغيّر من مستوى الإنذار، إلا أن تعميمها يزيد من قلق الفرنسيين ومن استنفار الأوساط السياحية ورجال الأعمال وصناعة المعارض التجارية المزدهرة في هذه الفترة من السنة. كل سلال القمامة اختفت من الشوارع الفرنسية أو استُبدلت بها أكياس من النايلون الشفاف. الجنود يجوبون باحات محطات سكك الحديد الكبرى، والتنبيهات عبر مكبرات الصوت لا تكل في ممرات قطارات الأنفاق. الخوف بارز، وإن كان يوازيه نوع من التشكيك في «نسبة الخطر الداهم» رغم بث معلومات في وسائل الإعلام عن مخططات لاعتداءات مرتبطة بالقاعدة في مدن كبرى في بريطانيا وألمانيا إلى جانب فرنسا. وأسباب الشكوك كثيرة، منها ما يرتكز على «ظنون برغبة وزير الداخلية بريس هوتوفو» تغير مسار اهتمام الرأي العام من ملفات عبّأت اهتمامات الرأي العام فترة الشهرين الماضيين وأججت التململ من سياسة الرئيس الفرنسي الأمنية.
ومن الغرابة أن القلق لا يطال السياح الآتين بزخم إلى فرنسا، فقد أشار أكثر من سائح إلى «عدم وجود قلق، وأن ما يمكن أن يحصل في فرنسا يمكن أن يحصل في أي بلد آخر». رغم هذا، فإن السلطات الأمنية الفرنسية لا تنام على حرير. فقد كشفت تقارير للشرطة أنه اعتُقل اثنا عشر شخصاً في إطار التحقيقات الأمنية، وذلك في قضيتين مختلفتين يجمع بينهما ارتباطهما بالأوساط الإسلامية. ففي مرسيليا وأفينيون (جنوب) اعتُقل تسعة أشخاص بناءً على استنابة قضائية من دائرة الشؤون الإرهابية بتهمة «تأليف عصابة على علاقة بأعمال إرهابية والإعداد لها» وصودرت أسلحة أوتوماتيكية وذخائر. أما في بوردو (جنوب غرب) فقد اعتقل ثلاثة استناداً إلى معلومات استخبارية نتيجة التحقيقات مع المعتقل في إيطاليا المدعو رياض حنوني (٢٨ عاماً) وفي حوزته معدات تفجير، وهو مطلوب أيضاً من السلطات الفرنسية في إطار التحقيقات عن شبكات إرهابية باكستانية وأفغانية. وقد ادعى مصدر أمني «وجود صدفة» في توقيت عمليتي الاعتقال، إلا أن عدداً من المراقبين يشددون على أن «زيادة وتيرة الإجراءات الأمنية» قادت إلى الإسراع بتنفيذ عمليات الاعتقال.
ويشدد الخبراء الذين يتوالون على معظم محطات الإعلام المرئي والمسموع على أن «التشديد على استهداف فرنسا» يتجاوز كل تقدير علمي، ويقول أحدهم إن باريس ليست مستهدفة أكثر من غيرها من العواصم الغربية، وقد يفسر هذا أن دولاً مثل أوستراليا واليابان مثلاً أرفقت بتحذيراتها لائحة بـ٣٠ دولة يمكن أن تتكون داخلها دوائر خطر بسبب أعمال إرهابية. ويتابع الخبير بأنه إذا وضعنا جانباً «الحضور التاريخي لفرنسا» في بلاد المغرب العربي وشمال أفريقيا الذي يجعلها هدفاً لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، مع الإشارة حسب الخبير، إلى أن هذا التنظيم «يخطف أي غربي يقع تحت يده»، مذكراً بالرهينتين الإسبانيتين والرهينة البريطانية، فإن خطر استهداف الأراضي الفرنسية لا يزيد على خطر استهداف الأراضي الألمانية أو الإيطالية.
وبالطبع يشير الخبير إلى أن التحذيرات «ذكرت محطة برلين المركزية إلى جانب برج إيفيل».
في هذا السياق، كشفت أيضاً السلطات الأمنية الفرنسية أنها قبضت على «شخص على علاقة بالتهديدات التي وصلت عن وجود قنبلة في محطة سان لازار في وسط باريس»، والتي تبين أنها تهديدات كاذبة. وأكدت مصادر الشرطة أن هذا أول خيط في شبكة التهديدات التي ثبت كذبها والتي أسهمت في زياة التوتر في الأجواء الأمنية الفرنسية منذ أسبوعين.
وفي هذه الأجواء المتوترة، جاء خبر «التمثيل بقرآن في شمال فرنسا» ليزيد من تخوف الأوساط الأمنية لما يمكن أن يمثّله من «حجج للمتطرفين الإرهابيين». فقد كشف عبد العزيز شكري، مندوب مسجد مدينة ستراسبورغ (شمال شرق) على الحدود الألمانية، أنه عثر على شريط مصور على شبكة إنترنت ويظهر فيه شخص مكشوف الوجه وهو يحرق صفحة من القرآن، وبعدما تحادث معه أبلغ الشرطة التي استدعت الشخص وحققت معه حسب بيان من النيابة العامة. وظهر الرجل في الشريط وهو يصنع طائرة ورقية من صفحة من القرآن ويقذفها نحو كوبي ماء يمثلان مركز التجارة العالمي قبل أن يقوم بحرق الصفحة المبللة بالكحول ويتبول عليها لإطفائها.
وحسب شكري، فإن الرجل خاطبه بهدوء وبرر فعلته بحجة «حرية الرأي في فرنسا».
ويتفق المراقبون على أن «حركات إعلامية» مشابهة تزيد من نفوذ الإرهابيين وتغذي شبكاتهم. حركات ترتكز على رسائلها السلبية لتأجيج مشاعر ضعفاء النفوس وتجييشهم في أعمال إرهابية. ولا ينكر هؤلاء الترابط الموجود بين تطرف تلك الجماعات التي تستهدف الإسلام عشوائياً وبين استهداف المجتمعات التي تحصل فيها أعمال كهذه.