تتوالى المحطات السياسية الحاسمة بالظهور في السماء البريطانية حاجبة النور عن «إمبراطورية الشمس»، مرة كلّ عدة أشهر خلال العامين الأخيرين. من الاستفتاء على استقلال اسكوتلندا، مروراً بالانتخابات التشريعية، وصولاً إلى استقالة رئيس «حزب العمال» إيد ميليباند، على إثرها، وما ترتّب عليها من مرحلة انتخابية لقيادة الحزب... كلها مواقف تمثلت، فجأة، على أنها مصدر تهديد لـ«هوية» و«نفوذ» بريطانيا، طالما دأب التيار المحافظ ــ المسيطر حالياً على الحكومة ــ على التخويف منه.


«موجة التهديد» الأخيرة يركبها جيريمي كوربن، المرشح الأبرز لقيادة «حزب العمال». لم تطح أحداً بعد، ولكنها أثارت ذعراً ليس في صفوف المحافظين فقط، بل في أوساط «العمال». «خطر» دَفَع رئيس الحكومة الأسبق طوني بلير (ينتمي إلى تيار الوسط في الحزب) إلى أن يتحوّل إلى أبرز المنتقدين لـ«ظاهرة» كوربن، وما تحمله من سعي إلى التغيير «بعيد عن الواقع».
كوربن الذي يتصدر استطلاعات الرأي، متقدماً على آندي بورنهام وايفيت كوبر وليز كيندال، وصفه بلير، قبل يومين بـ«الخيالي»، مشبهاً برنامجه بـ«قصص آليس في بلاد العجائب». فهو «اليساري المتطرف» الذي يخاف الجميع أفكاره، والذي أعلن أنه يريد تأميم سكك الحديد وشركات الطاقة لإعطاء الناخبين «بديلاً حقيقياً» من «تقشف» المحافظين، إذا ما وصل إلى سدة رئاسة الحكومة. وهو من التزم إلغاء نظام الأسلحة النووية البريطانية، وقال إنه «يفضّل أن تكون بريطانيا جمهورية»، ولكنه أقرّ «بوجود شعبية تحيط بالملكية»، تمنعه من خوض هذه معركة.
فضلاً عن ذلك كله، يُعرف كوربن بانتقاده الدائم لسياسات حزبه، وبمعارضته للقرارات الصادرة عنه، لأكثر من 500 مرة.
سياسته الخارجية، مصدر تهديد آخر، ذلك أنه يمكن أن يعكس كل ما يخالف مبادئ السياسة الخارجية البريطانية المنتهجة منذ عقود طويلة.
هو مُعارِض لاجتياح العراق، وعد منذ فترة بالاعتذار عن «الخداع» الذي سبق الحرب، وبعدم الخوض في أي تدخل عسكري لا طائل منه. ورغم الضغوط، لم يخجل كوربن من توضيح الوصف الذي أطلقه على «أصدقائه من حزب الله وحركة حماس». في مقابلة مع القناة الرابعة، قال إنه رحّب بأعضاء من حزب الله في اجتماع في البرلمان «لمناقشة الأزمة في الشرق الأوسط»، وإنه كان يريد أن تكون حركة «حماس» جزءاً من النقاش. أمس، أكمل تحديه لكل «الموروثات» السياسية القائمة و«الإنجازات» التي يفاخِر بها الغرب، فقال إنه «كان يجب محاكمة بن لادن لا اغتياله».
المرشح اليساري لا يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكنه يفضل اتحاداً مؤسساً على «موائمة ظروف العمل في جميع أنحاء أوروبا». ورداً على الضغوط التي تعرّض لها من أعضاء حزبه لإيضاح موقفه، نشر بياناً في صحيفة «ذا غارديان»، قبل أيام، قال فيه إن «حزب العمال يجب أن يكون واضحاً في موقفه للتأثير في المفاوضات، والعمل مع حلفائنا الأوروبيين لوضع أجندة للتطوّر لإفادة الأوروبيين العاديين في أنحاء القارة».
مع ذلك، يرى البعض أن انتخاب كوبرن سيؤثر في موقف «حزب العمال» المتعلق بالاتحاد الأوروبي. فرغم أنه ليس ضد الاتحاد الأوروبي، لكنه معارض شرس للعديد من سماته الأساسية. منتقدوه يروّجون لفكرة أنه «كغيره من اليساريين المتطرفين» في القارة، «يريد من الاتحاد تركيزاً أقل على تسهيل التجارة، وتشديداً أكثر على إيقاف تجاوزات الرأسمالية العالمية».
بحسب كوربن، كان يجب تفكيك حلف «شمال الأطلسي» منذ 25 عاماً. هو لم يقف عند حدّ القول إنه يجب سحب بريطانيا من الحلف، بل قال إنه لم يكن داعماً للحلف، منذ انهيار الشيوعية، ذلك أنه يُعتبر «منظمة من الحرب الباردة، كان يجب أن تنتهي عملها في عام 1990». فضلاً عن ذلك، أعرب أخيراً عن قلقه من أي خطط جديدة لتوسّع حلف «الأطلسي»، خصوصاً باتجاه روسيا.
كل المواقف التي أطلقها مرشح «حزب العمال» اليساري، قوبلت بالانتقادات الإعلامية والسياسية. طوني بلير لا ينفك يخرج بتصريحات تدين سياسته المرتقبة، كأنه سخّر طاقاته لمنع انتخاب جيريمي كوربن «الذي سيأخذ الحزب إلى الهاوية».
حذّر بلير منذ أسبوعين من أن أعضاء الحزب «يسيرون مغمضي العيون ومكتوفي الأيدي على حافة جرف». وفي مقال في صحيفة «ذا غارديان»، كتب أن زعامة كوربن المحتملة تجعل الحزب «اليوم في خطر مهلك، يتهدد وجوده أكثر من أي وقت مضى خلال مئة عام».
بلير الذي حقق النصر لـ«حزب العمال» في ثلاثة انتخابات عامة، بين عامي 1997 و2005، قال يومها إنه «إذا أصبح جريمي كوربن زعيماً، فلن تكون هزيمة مثل عام 1983 أو 2015 في الانتخابات المقبلة. سيعني هذا هزيمة نكراء وربما فناءً».
هذه التصريحات واجهها رئيس بلدية لندن السابق كين ليفينغستون (حليف كوربن)، بانتقادات لبلير، فوصفها بـ«المروّعة». وأضاف: «من الواضح أن طوني بلير لم يقرأ البيان الرسمي لجيريمي كوربن، لأنه لا يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، بل يواجه المشاكل التي نعاني منها الآن».
لكن بلير لم يتوقف عن الانتقاد. قبل يومين، وصف شعبية كوربن الكبيرة بـ«بالظاهرة القوية» التي فشل في فهم ما يقف وراءها.
وكتب في صحيفة «ذي أوبزرفر» أن انتخاب كوربن سيكون بمثابة «سائق يسير باتجاه حاجز في طريق لم يسلكه من قبل». ورأى رئيس الحكومة البريطانية الأسبق أن «كوربن جزء من ظاهرة جديدة في السياسة أو ربما إعادة إحياء ظاهرة قديمة». ووضعه في الخانة ذاتها مع مرشح الرئاسة الأميركية دونالد ترامب «الذي يقود ميدان الجمهوريين رغم ملاحظاته على النساء والمكسيكيين التي تُعَدّ تجريداً من الأهلية في مجتمع أكثر من نصف الناخبين فيه من النساء واللاتين»، ومع برني ساندرز «الديموقراطي الذي يقف على منصة لن تحمل أكثر من جزء من الولايات». وأيضاً شبهه برئيسة المعارضة الفرنسية مارين لو بين وبأليكسيس تسيبراس في اليونان.


شبّه بلير سياسة كوربن بـ«قصص آليس في بلاد العجائب»

وبعد تحليل مستفيض لوضع «حزب العمال» ككل والسبب وراء خسارته في الانتخابات التشريعية، في أيار، استخلص بلير أن كوربن سيفشل، مستنداً إلى واقع أن ترامب وساندرز لن يصبحا رئيسين، واسكوتلندا لم تصوّت لمصلحة الانفصال عن بريطانيا وتحالف «سيريزا» يمكن أن يربح، ولكن فقط من خلال تبديل الحقائق.
أما على المستوى الإعلامي، فقد بدت مجلة «ذي إيكونوميست» الأبرز في انتقادها لكوربن، إلى حدّ أنها تقاطعت مع طوني بلير في أكثر من ناحية. تارة تصف سياسات كوربن بأنها «جيدة جداً على أن تكون حقيقية»، وتارة أخرى تتحدث عن «صعوده الذي يمكن مواجهته». وهي فوق كل ذلك أعلنت أن «ذي إيكونوميست لن تصوّت لكوربن».
حذرت المجلة البريطانية من أن «حزب العمال المعارض في طريقه إلى إحداث ضرر كبير ببريطانيا»، وأنه في حال اختيار جريمي كوربن قائداً له، سيكون «قد سلّم نفسه للهامش». أما «الأسوأ من ذلك»، وفق المجلة، فهو أنه «من خلال تحطيم معارضة الحكومة المحافظة، سيترك كوربن بريطانيا مفتوحة أمام الحكومات السيئة».
«قلقنا ليس من فوز كوربن وحصوله على السلطة»، كتبت «ذي إيكونوميست»، معوّلة على ما صرّح به «كبار حزب العمال» ــ بمن فيهم بلير وغوردن براون ــ الذين اصطفوا ليعلنوا أنه غير مرغوب فيه في الانتخابات.
ولكنها صرحت عن قلقها من أن «كوربن سيكون مصدر ضرر كبير حتى ولو كان قائداً للمعارضة».
«بريطانيا بحاجة إلى معارضة تعيش في العالم الحقيقي وموحّدة، وإلى حكومة مركّزة»، أضافت المجلة، لتخلص إلى أنه «بوجود كوربن كقائد لحزب العمال، فإنها تخاطر بالاثنين معاً».
بعد نحو أسبوعين، تحديداً في 12 أيلول، قد يصبح جريمي كوربن رئيساً لـ«حزب العمال» البريطاني، ما يؤهله لتسلّم رئاسة الحكومة البريطانية لاحقاً. مظاهر قيادته للحزب تبلورت في الأيام الماضية، مع إظهار استطلاعات الرأي فوزه أمام المرشح الأبرز آندي برنهام، في الجولة النهائية، الأمر الذي دفع معظم المراقبين والسياسيين والبريطانيين إلى التعامل مع إمكانية فوزه على أنها سيناريو حقيقي، وواقع يستدعي منهم دقّ ناقوس الخطر.