أيّاً تكن نتيجة الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية البرازيلية نهاية الشهر الجاري، فإنّ الفرصة مناسبة للتوقف عند ولايتي الرئيس «المخرطجي»، لويس إيناسيو دا سيلفا (لولا). ربما أيضاً لأنها المرة الأولى منذ عام 1989التي لن يكون فيها لولا مرشحاً، مع أنه حاضر بقوة في جوّ الانتخابات. ماذا تمثل «اللوليّة» في البرازيل، وماذا سيبقى منها بعد انسحاب ملهمها من السلطة؟


بول الأشقر
لم يكن وصول لويس إيناسيو دا سيلفا (لولا) إلى رئاسة الجمهورية البرازيلية في نهاية عام 2002 كما كان يتصوّره المرشح لولا في انتخابات 1989 و1994 و1998. كان الناخب يطالب بالتغيير، بينما يشترط السوق الاستقرار، علماً أنّ السوق هو من يتحكم بالناخب وليس العكس. ورغم فوزه بـ62 في المئة من الأصوات في الدورة الثانية، لم يعطِ النظام السياسي للولا ولحزبه ولحلفائه أكثر من 25 في المئة من المقاعد في الكونغرس، ما أجبره على «تخييط» اتفاق بين 9 أحزاب، بينها تلك التي تؤلف احتياط كل الحكومات البرازيلية المتعاقبة منذ عودة الديموقراطية، وهي الأحزاب التي تقايض دعمها للرئيس بالحفاظ على مكتسباتها الريعية في جهاز الدولة. معطيان أساسيان لفهم خصوصية التجربة – موقعها ومحدوديتها – التي قام بها الولد الفقير الذي أصبح عاملاً ثم نقابياً قبل أن يتسيّس ويساهم في تأسيس حزب سياسي «ثوري» أوصله إلى الرئاسة بعد ربع قرن. ومثّل انتساب لولا إلى نادي «الخواجات» المغلَق، قطيعة حقيقية، لأن وصول ائتلافه المثقل يمكن تصنيفه تحت خانة تداول السلطة. أما خروجه من السلطة مكللاً بالنجاح، ومتمتعاً بدعم داخلي يلامس الـ80 في المئة، وبإعجاب دولي قلّ نظير تنوعه، فيشير إلى حالة تتخطى مجرد التناغم بين رجل وشعبه، وتعبّر عن انتقال البرازيل التي تسلمها لولا من المرتبة الاقتصادية العالمية الـ 13، إلى المرتبة الثامنة، علماً أن خلفه قد يتسلمها خامسةً. فضلُ لولا أنه عرف كيف يرتكز على قدرات البرازيل، وكيف يظهّرها ويعيد سكبها باللغة الأنسب لجمهوره.

بيضة الاقتصاد أم دجاجة الاجتماع؟

أبرز ما يجب التطرّق إليه ليس المنحى الاستقلالي في السياسة الخارجية، ولا لعبة السلطة في السياسة الداخلية، بل ما غيّرته الـ«لولية» خلال 8 سنوات من الحكم. وأول دليل عن التبدل النوعي الذي حصل في القاعدة الانتخابية للولا هو أنه، خلال ربع قرن، وحتى عندما فاز بانتخابات 2002، مثّلت ظاهرته صعود العمل النقابي المنظم المتركز في المناطق الأغنى من البلد، وعبّرت عن طموحات الطبقات الوسطى «الثورية». بكلمات أوضح، لم تنتخبه الشرائح الأكثر فقراً، ولا مناطق الشمال الأكثر تأخُّراً – وهي بيئة ولادته – لكنها هي التي أعادت انتخابه رئيساً عام 2006.

لولا لم يخض حرباً هجومية على الأغنياء، لكنه خاض حرباً دفاعية لصالح الفقراء
رغم التزامه السياسات النيوليبرالية، لم يضيّع لولا البوصلة في سعيه لتدعيم السوق الداخلية وتوسيعها إلى الجمهور والمناطق التي كانت تعيش على هامشها. ومن دون المسّ بأسس الاستقرار، عاند لولا العقيدة المسلَّم بها التي تقول بأن توزيع الثروات يلي دائماً النمو الاقتصادي، وجعلهما يتواكبان، فتبيّن أن التوزيع، أحياناً كثيرة، هو من يخلق النمو: سياسات المنحة العائلية أو الزيادة الدورية للحد الأدنى للأجور بوتيرة أسرع من التضخم، أو دعم الزراعة العائلية أو التسليف المرهون على الراتب، أو تسهيل إدخال الفقراء في الشبكة المصرفية... كلها خطط اجتماعية غيّرت – بحكم سعة السوق البرازيلية القارية – بالمعطى الاقتصادي، لأن الشرائح التي خرجت من التهميش – 28 مليوناً خرجوا من حالة البؤس و34 مليوناً آخرون خرجوا من الفقر – دخلت في السوق الداخلية، وولّدت قطاعات صار عليها أن تجيب على الطلب الجديد. الدولة التي يسلمها لولا لخلفه، أكبر وأكثر عدالة من تلك التي تسلّمها هو. ومع هذا الواقع الجديد، تصعب العودة إلى ما كان قائماً من قبله. هنا مثلان بسيطان: بين عامي 2003 و2010، نمت مداخيل الـ10 في المئة الأفقر بمعدل 8 في المئة في السنة، أي أكثر من نمو الاقتصاد وأكثر من الـ10 في المئة الأغنى الذين نمت مداخيلهم بمعدل 1،5في المئة... هذا المعطى لا يغير الكثير في توزيع الثورة، لكنه يحدد وجهة لم تعرفها البرازيل سابقاً.
يُقال مراراً إنّ لولا لم يخُض حرباً هجومية على الأغنياء، لكنه خاض حرباً دفاعية لصالح الفقراء، وهذه «الإضافات الاجتماعية»، على تواضعها، لكن بسبب منهجيتها، فعلت الكثير في تحريك الاقتصاد المحلي، ومجموع الإضافات المحلية عدّلت في الاقتصاد الوطني. وما يُقال عن العامل الطبقي له ترجمة شبه آليّة في ما يخص العامل المناطقي: بدلاً من استراتيجية التموقع التنافسي في العولمة التي كانت تؤدي إلى إعادة تدعيم المناطق النامية وتخصيص نمو المناطق الأخرى في مجالات محددة فيها «ميزات تفاضلية»، اعتمدت حكومات الرئيس لولا استراتيجية الاندماج الوطني التي رأى ترجمتها في تقليص الفوارق المناطقية، وفي استعادة استثمارات البنى التحتية في المناطق الشمالية الفقيرة. هنا أيضاً، أدى ارتفاع الاستهلاك الشعبي الفقير إلى جلب الرساميل الباحثة عن زبائن، وإلى نمو الاقتصاد الشمالي (مقر الولايات الفقيرة) بنمط أسرع من نمو مجمل الاقتصاد، وبالتالي أسرع من نمو الولايات الجنوبية الأغنى؛ على سبيل المثال، بين عامي 2003 و2009، نمت فرص العمل في البرازيل بنسبة 5،4 في المئة، في الشمال الشرقي 5،9 في المئة، وفي الجنوب الشرقي 5،2 في المئة. وتمثّل هذه الأرقام، على تواضعها، انقلاباً في جداول تعود إلى بداية الرأسمالية في البرازيل.

التراكم البدائي والنظرة إلى الذات

الدولة التي يسلّمها لولا لخلفه أكثر عدالة من تلك التي تسلّمها هو
على قاعدة هذا التدعيم الاقتصادي الذي واكب التغيير الاجتماعي (وهو أفضل ضمانة أنه لن يكون بعد اليوم تحت رحمة الإرادويّة السياسية)، يمكن الحديث عمّا مثّلته «اللولية» بصفتها ظاهرة سوسيولوجية أو حتى سوسيو – نفسية. إنّ ميزة «لولية» الدولة – على وزن رأسمالية الدولة – أنها جمعت بين الاستقرار وتراجع الفوارق الطبقية، كما أنها عمّقت جذورها الشعبية وحوّلت مركز السلطة إلى مساحة تفاعل بين عدة مصالح، وعند استحالة حصول ذلك إلى مجال تعايش بينها. وبعدما كانت «اللولية» حركة حزبية اعتراضية جنوبية تعبّر عن الطبقات الوسطى المدينية وعن قطاعات الطبقة العاملة المنظَّمة، صارت في الدولة إطاراً سياسياً يعبّر عمن يصل دخله إلى ضعف الحد الأدنى للأجور – وهم يؤلفون نحو 45 في المئة من الشعب – ويقطنون بأكثريتهم في شمال شرق البرازيل. قبل ذلك، كان الصراع السياسي حول السيطرة على الطبقات الوسطى مع «اللومبن بروليتاريا»، أي أفقر الشرائح، كتلة مناورة تتحكم بها القوى الرجعية ووجوه الإقطاع السياسي البرازيلي، وخصوصاً في الشمال. وعام 2006، عندما تخلّى جزء من قاعدته الشعبية الأصلية عنه، نجح لولا بتعويض ما خسره بين الطبقات الوسطى وفي الجنوب باتجاه الناخب الأفقر والمنطقة الأبعد.
أما وقد عدّلت «اللولية» في تركيبة اللعبة من خلال تغييراتها الطبقية والمناطقية، فهي تستفيد اليوم من هذا الواقع الجديد الذي لم تستوعب المعارضة متغيّراته بعد. إنها مسألة وقت لن يطول ربما، والأكيد هو أنّ الحقبة «اللولية» دعمت أسس الديموقراطية بتوسيع ما سماه أحدهم «التراكم البدائي» للديموقراطية، أي الشروط الأساسية للتمكن من ممارستها، بما هي مكونات الحياة البدائية ومصالح يجب الدفاع عنها وحقوق قابلة للتحقيق.
في هذا المشهد، بدا حكم لولا بالنسبة للأكثرية الشعبية الكاسحة – بالرغم من ويلات بعض وزرائه وحلفائه ومحازبيه – «حكماً مختلفاً مع أناس مختلفين يقومون بأشياء مختلفة». وما ينطبق على لولا ينطبق أيضاً إلى حد كبير على أولويات حكمه وعلى بعض معاونيه؛ هنا أيضاً، نجحت هذه الفئة في تملك إدارة الدولة «على الأقل بقدر أبناء العائلات الذين ينطقون بالإنكليزية وتعلموا في الخارج»، وهو ما يمثّل بحد ذاته صدمة في الطاقم السياسي، وتمتيناً لمبدأ تداول السلطة بما هو أعمق من مجرد تبادل للمغانم بين فريقين.
يبقى الحديث عن النقطة الأهم، وهي عنصر لا تتطرق إليه الصحافة عادةً لأنه يلامس حدود علم النفس الاجتماعي: في بلاد مسيّسة تقليدياً بنسبة أقل من جيرانها، وحافظت في العلاقات المجتمعية على حيز واسع من الإقصاء والتمييز، مثّلت «اللولية»، بفضل السيرة الشخصية للولا وبسبب شرحه «التثقيفي» لها، وكذلك بفضل التغيرات الحاصلة في بلد ومجتمع صاعدين، مثّلت أداةً لجأت إليها الشريحة الأفقر والأضعف لإعادة ثقتها بنفسها ولتجديد الثقة بالبلد.
غداً قد تتغيّر السياسة الخارجية أو الخطط الاقتصادية أو خيارات الناخبين، أما الحراك الطبقي وثقة الفقراء بأنفسهم، فهي معطيات جديدة أغلب الظن أنها ستبقى ثابتة.


من الرئاسة إلى محاربة الجوع

في أول انتخابات رئاسية منذ 1989، لن يترشح لولا مجدداً بعد ثلاث هزائم وفوزين. لا يختلف اثنان في أن لولا «كائن سياسي» فريد من نوعه. ومع أنه غير مرشح لأي منصب، أثبت جدارته في الأكثريات المريحة التي تركها لمرشحته ديلما روسيف في انتخابات الثالث من الشهر الجاري. خصومه قبل حلفائه أدخلوا صورته (ولو غير الرسمية) على دعايتهم في محاولة لتحديد أثر دعمه على حظوظ فوز منافسهم. إذا فشلت ديلما روسيف (رغم أن التقديرات ترجح فوزها)، فمن الممكن الحسم منذ الآن أن لولا سيتزعم المعارضة وسيترشح بعد 4 سنوات. أما إذا فازت، فهذا حديث آخر. قبل شهر، التقى لولا بالممثل بينيسيو ديل تورو وقال له: «سأكرس جزءاً من وقتي لترؤس مؤسسة تتخصص في دراسة مشاكل أميركا اللاتنية وأفريقيا وتساهم في تنفيذ مشاريع تحارب الجوع والفقر... وسأحتاج إلى مساعدتك».