طهران | بعيداً عن ضوضاء السياسة، يعمل الحرس الثوري في إيران، بصمت شديد، استعداداً لما بعد الاتفاق النووي، نائياً بنفسه عن أي التزامات وقرارات دولية في ما يخص القيود المفروضة على برامج التسلّح الصاروخي. الرد كان واضحاً وصريحاً على لسان قائده اللواء محمد على جعفري، الذي أعلن عن تحضيرات لإجراء 20 مناورة عسكرية، في مجالات البحر والبر والجو والدفاع عن المدن والصواريخ.


إعلان يتجاهل القرار الدولي الذي يحظر تطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى، فالحرس الثوري يعتبر نفسه غير ملزم بأي توضيح ذلك أن الإستراتيجية الدفاعية لديه غير قابلة للنقاش من أي جهة أتت، داخلية أو خارجية.
اللواء جعفري تقصّد إرسال مجموعة من الرسائل، تتمحور حول الخطوط الحمر للحرس الثوري، بداية بعدم اعتبار الولايات المتحدة صديقاً أو حليفاً في المستقبل، فـ«أميركا ستبقى الشيطان الأكبر». وجّه كلامه إلى قادة العدو الإسرائيلي بالقول إن «الاتفاق النووي لن يحمي كيانكم»، غامزاً من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بأن العديد من ساسة العالم المعارضين لإيران «يتمنون توجيه ضربة عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية، إلا أن الجنرالات يحسبون الأمور، بشكل علمي وعملاني، ويرفضون الحرب لمعرفتهم بأن الخطأ مع إيران يكلّف غالياً».


إيران أفشلت
محاولات لإدخال مفخخات ضخمة إليها لضرب الأمن

رسائل الود والتطمين أطلقها قائد الحرس الثوري باتجاه الحلفاء. الاتفاق النووي لا يعني التخلّي عن أحد أو المساومة على أحد، ففصل الخطاب لديه هو كلام المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي عن أنه «بالاتفاق أو عدمه سيبقى الدعم لمحور الممانعة وفصائل المقاومة، وسيزيد هذا الدعم كلما هُدّد وجود هذه الفصائل، من قبل الإسرائيليين أو التكفيريين على حد سواء».
المناروات العسكرية بعددها العشرين ستمتد على ستة أشهر مقبلة، يجري خلالها اختبار صواريخ بالستية بمدى لا يتعدى 2000 كلم، وهو المدى المعلن للقدرات الصاروخية. سيكون عامل الدقة والإصابة عنوان مرحلتها المقبلة، إضافة إلى الأحاديث التي تُتداول في الأروقة العسكرية عن تعاون عسكري مع قوى شرقية، كروسيا والصين، وخصوصاً أن موسكو تفتح أبواب صناعاتها الحربية أكثر بوجه طهران، في ما يخص سلاح الجو والدفاع الجوي، إضافة إلى تفصيل دقيق جداً. وفي هذا المجال، برز الحديث عن النية بتوقيع تعاون مشترك في مجال تطوير الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية وصناعات الفضاء، وهو أمر سيمثل قفزة نوعية في القدرات الصاروخية الإيرانية في الأرض والجو والبحر، ما يمنح الجمهورية الإسلامية بعداً دفاعياً ردعياً قادراً على خلط الأمور في أي مواجهة محتملة.
الحرس الثوري، الذي يتباهى بأن العاصمة طهران من أكثر العواصم في المنطقة أمناً واستقراراً، ينظر بكثير من الحذر إلى ما وراء الحدود، إلى من يقاتل بوجه الإرهاب والتكفير مع حلفاء له و«إخوة في السلاح». إيران ترد جميل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي دعمها على امتداد حرب السنوات الثماني التي فُرضت عليها من قبل العراق بدعم عربي ودولي، ويهمها الحفاظ على قدرات المقاومة بوجه التهديدات الإسرائيلية، التي امتزحت بالهجمة التكفيرية في سوريا ولبنان، فيما العراق يشكل عمقاً إستراتيجياً لإيران. بلاد الرافدين الجار الأقرب فكرياً إلى طهران، تشهد معارك مصيرية تشنّها التنظيمات الإرهابية المسلّحة، وهو ما يشكل خطراً على الحدود الإيرانية. هذا الأمر دفع إلى توحيد الجهد العسكري والاستخباري بشكل كبير أفضى ــ بحسب معلومات خاصة من مصادر عسكرية رفيعة المستوى ــ إلى إفشال العديد من المحاولات لإدخال مفخخات ضخمة إلى إيران وتنفيذ عمليات على المناطق الحدودية، بهدف ضرب الأمن. وقد كُشفت هذه المحاولات في نقاط حدودية عُرف منها أربع محاولات قامت قوى الأمن الداخلي بكشف وإبطال مفعول إحداها، خلال محاولتها الدخول إلى إيران، والثانية كشفتها وزارة الأمن إضافة إلى محمولتين كبيرتين من المتفجرات كشفتها القوات البرية للحرس الثوري. حجم المحمولات والمواد الشديدة الانفجار التي كانت بداخلها تدلّ على نية واضحة لدى المنفذين، لمحاولة نقل معارك «داعش» وداعميه ومموليه إلى العمق الإيراني، وهو أمر تترصده طهران منذ زمن بعيد وتعمل ضمن إطار منظومة أمنية معلوماتية أسهمت حتى الآن في إفشال عشرات الهجمات بضربات استباقية، جنّبت الداخل الإيراني نيران الحرب المشتعلة في المنطقة.
العسكر يقول إن مرحلة الاتفاق النووي ستكون أصعب، لأن الحرب بالحجة النووية كانت واضحة المعالم والوسائل، فيما الحرب المقبلة ستبقى مجهولة الطرق والأساليب، ما يرفع مستوى التحدّي أمام إيران تحضيراً لحرب باردة معها لن تكون المنطقة بمنأى عنها.