أحمد علي عبد الله صالح، جمال مبارك وسيف الإسلام القذافي. ليسوا فقط أبناء لثلاثة من الرؤساء العرب، بل هم ثلاثة مشاريع رؤساء مقبلين. مشاريع في حال نجاحها ستشهد ارتفاعاً في عدد الجمهوريات العربية التي تتحول تدريجاً إلى الملكية بستار الديموقراطية والانتخابات


جمانة فرحات
يبدو أن «قدر» أبناء الرؤساء في الدول العربية يحتم عليهم أن يكونوا مرشحين لخلافة آبائهم. ليس رغبة منهم بالطبع، فهم منزّهون عن طلب السلطة أو السعي وراءها. لكن لا بأس من التفكير بالأمر إذا ما رغبت الجماهير في ذلك. ولا حاجة إلى دليل أصدق من تواقيع يجمعها مؤسسو منظمات مدنية تطالبهم بالترشح. منظمات بات نفيها لأي علاقة بأبناء الرؤساء سمة مشتركة، فيما هي تقوم على الترويج لهم ليل نهار، إيماناً منها «بحاجة الوطن إليهم دون سواهم من ملايين المواطنين».
وإن كان الموعد بالأمس القريب مع مصر، التي تسيطر على حياتها السياسية فكرة احتمالات وصول جمال مبارك إلى كرسي الرئاسية المصرية، فإن اليمن شهد إطلاق منظمة «أحمد من أجل اليمن» الهادفة إلى جمع تواقيع للناخبين لترشيح نجل الرئيس علي عبد الله صالح للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2013.
وإطلاق المنظمة يشير إلى أن «شائعات التوريث»، كما كان يحلو لمؤيدي السلطة وصفها، تقترب من الحقيقة الجليّة بعدما أصبحت صور نجل الرئيس في شوارع اليمن. نشاطات منظمة «أحمد من أجل اليمن» ليست اجتماعية أو ثقافية، على غرار مؤسسة الصالح الاجتماعية الخيرية للتنمية التي يرأس أحمد مجلس إدراتها، أو حتى رياضية بسبب رئاسته الفخرية لنادي التلال الرياضي، بل نشاطات انتخابية بحتة.
هدف المنظمة واضح لا يحتمل التأويل، ويُختصر بحملة لجمع تواقيع لترشيح قائد الحرس الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية. حملة طالتها الاتهامات منذ اللحظة الأولى باستهداف الموظفين الحكوميين وتنسيبهم إليها بالإكراه عبر تهديدهم بإحالتهم إلى جهاز الأمن القومي أو توقيف رواتبهم.
إلّا أن مؤسس المنظمة، ويدعى علي المغربي، يرفض نسب التهديدات إلى منظمته، مثلما يرفض أي اتهامات له بمحاولة الترويج لتوريث نجل الرئيس؛ لأن «الدستور يرفض التوريث جملة وتفصيلاً».
كذلك ينفي المغربي، في حديثه لموقع «التغيير» اليمني، الحصول على دعم حكومي أو حزبي أو رئاسي، ومن دون أن يلغي ذلك سعيه للترويج إلى وصول نجل الرئيس عبر صندوق الاقتراع «الذي توافق عليه الجميع كنموذج حضاري لا تراجع عنه».
صندوق قائم في نظام جمهوري يحتفظ رئيسه بالسلطة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكن اللجوء إليه، بحسب المغربي، هو أفضل السبل للتغلب على المخاطر المحدقة بالبلاد، وما دام نجل الرئيس «أكثر الأشخاص قدرةً» على ذلك.
قدرة لا تأتي من العدم. فنجل الرئيس يحتل منصب قائد الحرس الجمهوري، ما يجعله أكثر المسؤولين قوة في البلاد وأكثرهم دراية ببواطن الأمور بصفته شاهداً على الأحداث ومدركاً للكثير من تفاصيلها المخفية.
ولا بأس كذلك من إدخال السيادة عاملاً في لعبة الترويج، ومحاولة التغلب على مؤامرة تحوكها أطراف إقليمية تسعى إلى صنع «قائد لهذا الوطن وفق أجندتها»، ولأن «كل المتزاحمين على المنصب الأول في الدولة يحلمون وفق إرادة خارجية».
وفي بلد أصبحت السلطة فيه وسيلة لتكديس الثروات ونهب حقوق المواطنين، بات معيار المقارنة بين نجل الرئيس وسائر المرشحين نظافة اليد. ومن هذا المنطلق لم يتوان المغربي عن أن يتحدى أي شخص يستطيع أن يثبت أن قائد الحرس الجمهوري «قد نهب حق أي مواطن أو سطا على أرض أي إنسان أو مارس منصبه في ظلم الآخرين»، متجاهلاً كشف وزارة العدل الأميركية في العام الماضي عن تورط شركة «لاتين نود» الأميركية المتخصصة في خدمات الاتصالات في تقديم مبالغ تبلغ 1.6 مليون دولار أميركي كرشاوى من طريق وسطاء لمسؤولين يمنيين كان نجل الرئيس، الذي ذُكر بالصفة دون الاسم، ضمنهم.
أحمد صالح لم يعلن حتى الآن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة أو دعمه للمنظمة، من دون أن يلغي ذلك حقيقة أن قائد الحرس الجمهوري، الذي ترشح في عام 1997 في الانتخابات النيابية في دائرة محسومة نتائجها سلفاً، لا يعد فقط من بين المرشحين لخلافة والده، بل الأوفر حظاً بين جميع الساعين إلى الحصول على هذا المنصب.
علي عبد الله صالح يبدي رفضه لمبدأ التوريث في العلن، لكنّه لا يستبعد إمكان وصول نجله إلى منصب الرئاسة إذا قرر حزب المؤتمر الشعبي الحاكم اختياره مرشحاً له، «ما يجعله مواطناً مستحقاً دستورياً للترشح للرئاسة».
وبرأي صالح يجب ألا يستدعي ذلك أي استغراب «ما دام «بوش الابن تولّى الرئاسة في أميركا من بعد أبيه، وكذلك بشار الأسد في سوريا».
ولا مانع من ذلك ما دام من المرجح أن يتمكن نجل الرئيس المصري جمال مبارك من تسلّم السلطة مكان والده عبر صناديق الاقتراع، وما دام الزعيم الليبي معمر القذافي يسعى إلى تهيئة ولده سيف الإسلام القذافي للحلول مكانه.
نهج وراثة أبناء الرؤساء مناصب آبائهم بات يهدد الدول العربية، وهو نهج لا تعدو فيه المؤسسات الدستورية ووسائل التحول الديموقراطي، بما فيها الانتخابات، سوى وسيلة تحسن الأنظمة العربية استغلالها لإدارة بوصلتها باتجاه خياراتها ومصالحها.
السيناريو السوري، بما حمله من تعديلات دستورية، من الممكن أن يشهد نجاحاً مماثلاً في مصر واليمن وليبيا.
واللافت أن حكام الجمهوريات الأربع لم يأتوا إلى السلطة إلا من خلفية عسكرية «ثورية». فحافظ الأسد وصل إلى السلطة في انقلاب قاده في عام 1970 عندما كان وزيراً للدفاع. بدوره، يحمل الزعيم الليبي لقب قائد الثورة بعدما أطاح، برفقة مجموعة من الضباط الوحدويين الأحرار، في الأول من أيلول 1969 الملك إدريس السنوسي ليعلن ولادة الجمهورية الليبية.
أما الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، فتمكن من استغلال موقعه العسكري بعد مشاركته في أحداث ثورة 26 أيلول 1963 لتوثيق علاقاته مع أصحاب النفوذ في البلاد ليتمكن بعد تعرض إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي للاغتيال، من اقتناص منصب رئاسة الجمهورية.
أما الرئيس المصري، حسني مبارك، فقد انتقل من قيادة القوات المسلحة إلى نيابة رئيس الجمهورية قبل أن يقبض على زمام السلطة في عام 1981 عقب اغتيال أنور السادات.
ويسجل كل من الرؤساء الثلاثة الأخيرين أرقاماً قياسية في مدة بقائهم في السلطة؛ 41 عاماً في ليبيا مقابل 33 سنة في اليمن، لتصل إلى 29 عاماً في مصر.
وفي إطار تناول غياب الانتقال الديموقراطي للسلطة في العالم العربي، تحدث الباحث الأميركي دانيال بايمان، عن خصائص مشتركة لهذه الأنظمة، لافتاً إلى أنها «جميعاً ديكتاتورية، وقد عانت لعقود من ركود نموها الاقتصادي، وسيطرة الفساد على حكوماتها».
وتحدث عن خاصية ثانية تتمثل في تقديم من سماهم «الورثة الجدد» «خطاباً رناناً عن ضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي»، واصفاً إياهم بأنهم «مجرد شخصيات مصنوعة إعلامياً يقدمون أنفسهم ببراعة لجيل من الشباب الذي استفاد من الرأسمالية الفاسدة لآبائهم».


«أحمد من أجل اليمن» لا يعدو كونه تقليداً لما يجري في مصر

يُعَدّ أحمد علي عبد الله صالح «أضعف أولياء العهود المحتملين»
ولكن لا مانع في هذه الدول الثلاث من السماح لمنافسين، على الرغم من وجود من شكوك في احتمالات فوزهم، يسعون للوصول إلى السلطة لإضفاء جو من الديموقراطية. منافسون ليسوا من المعارضة فقط، بل بعضهم يتمتع بنفوذ قوي داخل أروقة السلطة، ليس أقلهم اللواء عمر سليمان الذي شهدت مصر انتشار صوره في شوارعها دعماً لترشيحه للرئاسة قبل أيام.
أما في ليبيا، فالمنافسة إن حصلت فلن تتعدى البيت الواحد بين سيف الإسلام من جهة وشقيقه المعتصم من جهة ثانية، على عكس اليمن حيث يكثر الطامحون الأقوياء، وفي مقدمتهم اللواء علي محسن الأحمر إلى جانب المعارضة الشديدة لأي احتمال للتوريث يبديها الشيخ حميد الأحمر.
من هذا المنطلق، يُعَدّ أحمد علي عبد الله صالح «أضعف أولياء العهود المحتملين». وفي السياق، يرى عضو الأمانة العامة للتنظيم الوحدوي الناصري اليمني، محمد يحيى الصبري، أن إطلاق منظمة «أحمد من أجل اليمن» لا يعدو كونه تقليداً لما يجري في مصر. ويعرب لـ«الأخبار» عن اعتقاده أن موضوع التوريث في اليمن معقّد إلى أبعد الحدود في ظل الظروف التي تعانيها البلاد، على الرغم من أن ممارسات توريث السلطة العامة باتت منتشرة في اليمن بطريق موسعة، حيث يسعى النائب إلى توريث نجله والوزير كذلك. ولفت صبري إلى أن عوامل نجاح التوريث غير متوافرة الآن، مشيراً إلى أن التركيز ينصبّ الآن على التفكير في وحدة الدولة المهددة بالتفتت قبل التفكير بمن يحكم، من دون أن يستبعد أن يكون إطلاق المنظمة هدفه «جس نبض» رد فعل الساحة اليمنية على مثل هذه الخطوة، مشبهاً ما يحدث في اليمن بأنه يجري ضمن «مسرح مكشوف من دون غطاء».


«فايسبوك» في قلب المعركة

تُعَدّ مناهضة التوريث سمة مشتركة للمعارضة في كل من مصر وليبيا واليمن، تتعدد وسائل التعبير عنها بتوافر الإمكانات والقدرات.
وبعدما كان موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» لاعباً أساسياً في معركة المعارضة المصرية، يبدو أن الموقع سيشهد فصلاً جديداً من المعارك عنوانها الأساسي رفض التوريث في اليمن.
معركة بدأ أول إرهاصاتها مع تفعيل مجموعات مؤيدة لنجل الرئيس اليمني أحمد علي عبد الله صالح تحت عنوان «نعم لأحمد علي عبد الله صالح» و«أحمد علي عبد الله صالح: عهد جديد... لليمن السعيد»، في مقابل مجموعات معارضة ومحذرة من عواقب وتداعيات احتمالات خلافة أحمد لوالده في بلد يرزح تحت المشاكل من شماله إلى جنوبه، اتخذت من «أحمد علي عبد الله صالح: كابوس قادم» شعاراً لها.